تاريخ

الملايين كانوا سيلقون حتفهم.. روسيا هدَّدت بضرب 3 دول مختلفة بالسلاح النووي

عربي بوست
ترجمة
آثار قنبلة نووية

 لابدّ أن يكون الهجوم البريطاني الفرنسي على السويس عام 1956، والحرب المصرية الإسرائيلية الموازية في نفس العام، من بين أغرب الصراعات في التاريخ، فما علاقة روسيا بالأمر.

لنحدد أولاً لماذا كان هذا الهجوم غريباً.

تضم مجموعة شخصيات هذا الصراع إمبراطوريتين في طور الأفول تأبيان الاعتراف باضمحلالهما (فرنسا وبريطانيا)، و»ديكتاتوراً» عربياً ذا كاريزما (جمال عبدالناصر)، ودولةً يهودية (إسرائيل) مُصابة بجنون الارتياب (البارانويا)، وحرباً شبه وهمية، وقوةً عظمى تملك سلاح نووي.

بدأت الأزمة بسبب التنازع على هُوية الطرف المالك لقناة السويس، بوّابة العبور بين أوروبا وآسيا. ففي يوليو/تموز 1956، أعلن الرئيس المصري جمال عبدالناصر اعتزامه تأميم القناة، التي ظلَّت خاضعةً لسيطرة المساهمين الأوروبيين حتى بعد نيل مصر استقلالها عن بريطانيا (سينطبق هذا الوضع لاحقاً على الولايات المتحدة وقناة بنما).

جاء قرار عبدالناصر مدفوعاً بقطع التمويل الأمريكي عن سد أسوان الضخم، وهو القرار الذي جاء بدوره بعدما أبرم عبدالناصر صفقة سلاحٍ ضخمة مع الكتلة السوفيتية.

كان رد عبدالناصر بسيطاً: إن لم يُقدِّم الأمريكيون والأوروبيون الدعم لبناء سد أسوان، ستؤمِّم مصر قناة السويس وتستخدم حصيلة العائدات لبناء السد بنفسها. لكن للأسف، نسي عبدالناصر قاعدةً تاريخية أساسية: لا يوجد ما هو أخطر من إمبراطورية في طور الاضمحلال.

جمال عبدالناصر يتحدّى إمبراطوريتين آفلتين

أو هما في الواقع إمبراطوريتان. ففي عام 1956، كانت الشمس قد غابت بالفعل عن الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، حتى لو لم تستطيعا الاعتراف بهذا بنفسيهما.

هاتان القوتان العظميان السابقتان، المُحطَّمتان والمُفلِستان من جرَّاء الحرب العالمية الثانية، كانتا لا تزالان تستوعبان الواقع الجديد المتمثل في تحولهما إلى فاعليْن مساعدين في ساحةٍ دولية تُهيمن عليها أمريكا وروسيا.

لكن بالنسبة لبريطانيا، كانت قناة السويس رمزاً للهيبة الإمبراطورية، إلى جانب كونها شريان حياة لقواعدها في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. وبالنسبة للفرنسيين، كانت القضية مُتعلِّقة بعبدالناصر أكثر منها مُتعلِّقةً بالقناة، إذ اتهموه بتسليح الثوار الجزائريين الذين يقاتلون من أجل الاستقلال عن فرنسا.

جمال عبد الناصر وروسيا
جمال عبد الناصر

أصدر رئيس الوزراء البريطاني تلميحاً بميونخ، كما لو كان يقصد أنَّ إسقاط عبدالناصر سيُمثِل تعويضاً عن عدم إيقاف هتلر عام 1938.

في هذه الأثناء، كان الصراع العربي الإسرائيلي مشتعلاً كما هو الحال دوماً. فبعد انتصار إسرائيل في حرب عام 1948، رَعت مصر هجمات المقاومة الفلسطينية من سيناء إلى داخل إسرائيل، والتي سرعان ما كانت إسرائيل تردّ عليها.

كان لدى الإسرائيليين قناعة بأنَّ نشوب حربٍ أخرى مع مصر أمرٌ حتمي، وكانوا متحمسين لإنهاء حصار مصر لمضيق تيران، الذي منع السفن الإسرائيلية من مغادرة البحر الأحمر للتجارة مع إفريقيا وآسيا.

رسمت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل في النهاية خطة –تُعرَف بـ»بروتوكول سيفر»- قمة في الاستخفاف.

أولاً: ستغزو إسرائيل شبه جزيرة سيناء. ثُمَّ تصدر بريطانيا وفرنسا إنذاراً لإسرائيل ومصر من أجل الانسحاب من منطقة قناة السويس، ظاهرياً بهدف حماية القناة. حين ترفض مصر كما هو مُتوقَّع الانسحاب من قناة السويس، تشن القوات الأنغلو-فرنسية هجوماً وتستولي على القناة.

بذلك سيتعرَّض عبدالناصر للإذلال أو الإطاحة، وتُستعاد السيطرة الأوروبية على قناة السويس، وتعود أيام القرن التاسع عشر الخوالي الذهبية للإمبريالية!

اندلعت الحرب في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956 بعملية «قادش» الإسرائيلية، وهي من بنات أفكار رئيس الأركان الإسرائيلي موشيه ديان.

حلَّقت طائرات P-51 Mustang الإسرائيلية على ارتفاعاتٍ منخفضة فوق شبه جزيرة سيناء بهدف قطع الأسلاك التليفونية بمراوحها، قاطِعةً بذلك اتصالات الجيش المصري.

في الوقت نفسه، أُنزِلَت قوات المظليين الإسرائيلية على ممر متلا الاستراتيجي الواقع بين جبال شبه جزيرة سيناء. وسارعت قوات مظلية أخرى، بقيادة الكولونيل -حينها- أرئيل شارون، عبر الصحراء للربط معهم، وهو ما قامت به أيضاً قوات مشاة وأرتال دبابات إسرائيلية أخرى.

وعلى الرغم من القتال الذي كان يشتد أحياناً، سيطرت إسرائيل على سيناء في غضون بضعة أيام.

التدخُّل الفاشل!

منح هذا بريطانيا وفرنسا عذراً لإصدار إنذارهما. وحين تجاهلته مصر، بدأت عملية «المسكيتي». لكن لعل اسم «فأر المسكيتي» كان أفضل، لأنَّ العملية برُمَّتها كانت أشبه بـ»ميكي ماوس».

فكما أوضح الرئيس الأمريكي أيزنهاور، الذي كان يعرف كيفية التخطيط للحروب أفضل من غالبية الناس، لم يكن لدى البريطانيين والفرنسيين قوات كبيرة مثلما كان في يوم «إنزال النورماندي» والإنزالات الأخرى التي شهدتها الحرب العالمية الثانية.

جمال عبد الناصر 1956
دبابات مصرية مدمّرة في سيناء

فقد ضمَّ الهجوم نحو ثمانين ألف جندي، إلى جانب أكثر من مائتي سفينة حربية (بينها 5 حاملات طائرات بريطانية وحاملتا طائرات فرنسيتان)، ومئات الطائرات. وفي حين كانت بعض القوات البريطانية من المُجنَّدين غير المتحمسين الذين لم يفهموا لماذا يذهبون إلى مصر، كان يتقدَّم عمليات الإنزال نخبة من المظليين والقوات الخاصة البريطانية والفرنسية.

وبعد تدمير سلاح الجو المصري في الساعات الأولى من الهجوم، أُنزِل المظليون في منطقة القناة، مدعومين بقوات مشاة البحرية الملكية البريطانية القادمين على متن زوارق إنزال برمائية. وشنَّت المروحيات الناقِلة للجنود من حاملات الطائرات البريطانية أيضاً أول هجوم في العالم لمروحيات محمولة على السفن.

وكما حدث مع الإسرائيليين، واجهت القوات الأنجلو-فرنسية قوات مصرية كبيرة لكن سيئة التدريب والقيادة. وعلى الرغم من قتال الشوارع المتقطِّع وهجمات القناصة –إذ سلَّم عبدالناصر المدنيين المصريين أسلحة- لم يكن نجاح الغزو محل شك مطلقاً.

عانى البريطانيون سقوط نحو 100 ضحية (مُقارنةً بنحو 4 آلاف أثناء إنزال النورماندي)، وفَقَد الفرنسيون نحو 50 رجلاً، والإسرائيليون نحو 1100. في حين وصلت خسائر المصريين في الغزوين المزدوجين إلى حدود 8 آلاف أو نحو ذلك.

من الناحية العسكرية، مثَّلت الخطة البريطانية-الفرنسية-الإسرائيلية نجاحاً. لكنَّها كانت كارثة على الصعيد السياسي. إذ اندلعت الاحتجاجات المناهضة للحرب في بريطانيا من جانب رأي عامٍ لم يكن في مزاجٍ يقبل بالموت في سبيل الإمبراطورية. وأُصيب آخرون بالصدمة من الخداع والتلاعب الهائل في العملية.

تهديد بالسلاح النووي!

لكنّ ما كان مهماً حقاً هو رد فعل القوتين العظميين. إذ حذَّر رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي نيكولاي بولغانين من أنَّ الاتحاد مستعد لإطلاق صواريخ باليستية تحمل رؤوساً نووية على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ما لم تنسحب تلك الدول.

لكنَّ هذه أيضاً كانت خدعة؛ إذ كانت قوة الصواريخ الباليستية السوفيتية العابرة للقارات في معظمها مجرد بروباغاندا في ذلك الوقت، ناهيكم عن أنَّ الأمر كان يُمثِّل نفاقاً، بالنظر إلى أنَّ الدبابات السوفيتية قبل شهرٍ واحد فقط كانت قد قمعت الثائرين المجريين بوحشية في بودابست.

الأمر الآخر الذي كان صادماً بنفس القدر هو رد فعل الولايات المتحدة. إذ هدَّد أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس بفرض عقوباتٍ اقتصادية على إسرائيل إن لم تنسحب من سيناء.

وهدَّدت كذلك إمدادات النفط البريطانية (وفرضت السعودية بالفعل حظراً نفطياً على بريطانيا وفرنسا)، وفكَّرت في بيع سنداتٍ بريطانية، وهو ما كان من شأنه أن يكون مُدمِّراً للاقتصاد البريطاني. ودعا قرارٌ للأمم المتحدة، بتشجيعٍ من الولايات المتحدة، إلى وقفٍ لإطلاق النار وسحب القوات الأجنبية.

كان الضرر الذي لحق بالغرب هائلاً. فتضرَّرت العلاقات الأمريكية البريطانية، وتعزَّزت الهيبة السوفيتية. واستقال رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن، فيما تخلَّى البريطانيون عن التصرُّف باعتبارهم قوة إمبراطورية بعد ذلك.

لاحظ كذلك الألمان الغربيون أنَّ السوفييت هدَّدوا بمهاجمة أوروبا الغربية، وأنَّ الولايات المتحدة لم تعترض. وانسحبت إسرائيل على مضض، وبدأت الاستعداد للحرب التالية (التي ستقع عام 1967). وبدلاً من أن يُطاح بعبدالناصر، أصبح الرجل بطلاً للعالم العربي.

ترك القادة أمثال صدام حسين ومعمر القذافي ذكرى سيئة حين يتعلَّق الأمر بالمستبدين العرب. لكن في هذه الحالة، يصعب عدم التعاطف قليلاً مع عبدالناصر. وفي نهاية المطاف، باتت قناة السويس أرضاً مصرية خالصة.

بالطبع وقعت عمليات غزو غربية أخرى بعد عام 1956، لعل أبرزها غزو العراق عام 2003 وليبيا عام 2011. لكن بالنسبة لإمبريالية القرن التاسع عشر القديمة، كانت السويس هي النزع الأخير.

اقرأ لي..

لعنة تشوبادي الشهرية تقتل النساء في نيبال
امرأة هاربة، روس لاجئون، وهندي مكروه من الذين سكنوا منزل الأمير هاري وميغان الجديد من قبلهم؟
ترامب عاقب إيران اقتصادياً لكي تأتي خاضعة لكن حدث العكس! لماذا فشلت الضغوط الأمريكية على طهران؟
قد يُنبئ بوجود حياة سابقة وأكثر.. ماذا يعني اكتشاف غاز الميثان على المريخ؟
كولومبوس اكتشف أمريكا بالخطأ.. ماذا تعلم عن الهنود الحمر الذين كانوا يلقون الذهب والزمرد في النار لأجل الآلهة؟
9 سنوات على أول آيباد.. والآن بعد الكثير من الإصدارات هل تطوّر حقاً؟
قصة المشوار الشاق الذي يحول ولي العهد المغربي إلى ملك
«أرغب في اللجوء، وزوجي لا يعرف بذلك».. جملة قد تكلف المرأة السعودية حياتها!
يقال إنه يوم هبوط آدم على الأرض.. ماذا تعرف عن «نوروز» عيد الأكراد المقدس ورمزيّة إشعال النيران؟
اليمين المتطرف تحت المنظار.. خريطة توضح ارتفاع مؤشر الخطر في بريطانيا
ميناء الدقم.. طموح عمان لمنافسة الإمارات في صناعة السفن والسيطرة على مضيق هرمز
00:00