رأي

عن التميُّز في أن تكون إنساناً عادياً

دكتور مهندس وكاتبة حرة
رحلت بالأمس الأحد 13/5/2018 صديقتنا دينا التي تدوّن معنا في عربي بوست إثر حادث أليم… فارقتنا لكنها تركت وراءها هذه الكلمات الجميلة التي لن ننساها أبداً

 

 

أتعْلمُ هذه المقولة التي يكررها بعض متخصصي التنمية البشرية والدعاة الجدد: «واحد كبر واتخرج واشتغل واتجوز وخلف ومات».. قصة حزينة قصيرة!

يحاولون بذلك أن يدفعوك دفعاً لكي لا تكون هذا النموذج الذي يمثِّل أكثر من 90% من سكان العالم، يريدون منك أن تكون متميزاً، مختلفاً، ألا تعيش نصف حياة تنتهي بموتك ولا يذكرك أحدٌ بعدها.. يحاصرونك ويتهمونك بأنك كسول أو عالة؛ ﻷن حياتك عبارة عن عمل وزوج وأولاد فقط، وستنتهي كحياة ملايين الآخرين. أنت لا شيء، غير مرئي، لمجرد أنك إنسان عادي!

في قصة The fault in our stars، كانت أكبر مخاوف البطل المراهق الفناء؛ أن يموت كملايين الآخرين، ويذهب في عالم النسيان، وعندما اجتاح السرطان جسده، تألَّم بشدة؛ ﻷن أمامه أياماً قليلة في الحياة وسيفنى دون أن تتاح له الفرصة ليتميز في شيء.

كم فرداً منا يجتاحه هذا الخوف؟ أن يموت دون أن يترك أثراً، أن يكون مجرد شخص عادي مر من هنا.

ولكن، أليس الأمر نسبياً؟ هذا ما تحاول بطلة الفيلم -المصابة أيضاً بالسرطان- شرحه لحبيبها. «أنت مميز بالنسبة لي وبالنسبة ﻷبويك وﻷصدقائك، لست شخصاً عادياً بالنسبة لنا، ولن ننساك». ويظهر هذا لنا جلياً بعد وفاته؛ حيث وصفت وجعها لفقده بأن شدته تفوق شدة الألم الذي أحست به عندما أوشكت على الموت في إحدى نوبات السرطان.

كم شخصاً «عادياً» لديه شخص أو أكثر سيتألم لفقده بهذا الشكل؟ فكيف يكون «عادياً» إذن؟

الأثر -في رأيي- لا يشترط أن يكون كِتاباً تكتبه، أو عملاً فنياً تقوم به، أو رسالة رائدة، أو مشروعاً عظيماً، أو أي شيء سيُخلِّدك به التاريخ بعض سنوات أو مئات السنوات. الأثر قد يكون عملاً «روتينيّاً» ولكنك تؤديه بإخلاص؛ وقد يكون «وقفة جدعنة (مروءة)» مع صديق، وقد يكون ابناً أو ابنة لا يتخيل حياته من دونك؛ وقد يكون أباً أو أماً جعلت لحياته معنى بوجودك فيها؛ وقد يكون زوجاً أو حبيباً لمست روحه.. قد يكون أي شيء فعلته برحمة ونية صافية لوجه الله فكان أثراً طيباً.

قديماً، وخاصة في الصعيد، كان الرجال يحبون إنجاب الذكور؛ حتى يستمر نسلهم واسم العائلة، رغم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعش له أولاد ذكور، ورغم ذلك خلَّد الله ذكره في كل أذان، وﻷن التفكير بأن ذكرك يخلد فقط بالأولاد تفكير خاطئ، فأصبحنا نرى تطرفاً في الاتجاه الآخر: شهادتك، وعملك الروتيني، وأولادك سيجعلون منك إنساناً عادياً بلا أثر، ولا بد من أن تحارب هذا أو تتجاهله، وتلهث لتصنع أثراً (تحت مسمى بالطبع أنك صاحب رسالة سامية، وهذا كله من أجل نفع الناس.. إلخ).

ولكن، ما بين التطرف هنا وهناك، توجد كل الألوان، لا يوجد لون واحد مثالي لكل الناس. فالأثر الذي تتركه في الناس -(سواء كان كمّاً أو كيفاً)- كأي شيء في الدنيا رزق، وهو ليس فقط رزقك؛ بل رزقهم أيضاً.

ربما كان أثرك في شخص واحد فقط (كابنك) عميقاً وكثيفاً، وربما كان أثرك في آلاف الناس سطحياً وموزَّعاً، وربما كان الاثنين.

لسنا كلنا أصحاب مواهب ومهارات قيادية وإبداعية (هذا أيضاً رزق)، في النهاية هناك حدود لما يمكن أن تفعله في إطار قدراتك، وكذلك هناك التوفيق.

ومن غير المنصِف -إذا كنتَ صاحب موهبة- أن تنظر نظرة دونية إلى من لم يحظَ بها وتصرخ فيهم بأن قصة حياتهم قصة حزينة قصيرة؛ ﻷنهم ناس عاديون بالنسبة لك.

في الواقع، إنه قد يكون لهم أثر أعمق بكثير منك في نفوس أحبابهم.

ولكن بصرف النظر عن عُمق وكمّ الأثر، أتعْلمُ -يا صديقي- ما هو المرعب حقاً؟ هو هذه الآية: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً».

هذه هي فعلاً القصة الحزينة.. أن يُحبَط عملك وأثرك يوم القيامة ولا يصبح لك أي وزن، هذا هو الفناء الحقيقي.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

«واشنطن بوست» تشرح الأسباب.. لماذا تبني السعودية ومن قبلها الإمارات أطول مبانٍ في العالم؟
كيف يعيش محمد بن سلمان حياته؟ «بيزنس إنسايدر» يكشف معلومات هامة عن ولي العهد السعودي
حُكم الـ3.5%.. دليل الحركات السلمية لإزاحة الأنظمة السياسية والوصول إلى السلطة
معاناة اقتصادية تنتظر الأمريكيين بعد تصعيد ترامب للحرب التجارية مع الصين.. وهذا حجم الضرر المتبادل
5 أسئلة تشرح أزمة البرنامج النووي الإيراني.. ولهذا أصبحت المواجهة الأمريكية مع طهران وشيكة
مصيرها المحتوم.. فورين بوليسي: لا مفرَّ لأمريكا من بقائها في الشرق الأوسط
مدريد أصولها إسلامية.. الشعب الإسباني يعيد اكتشاف تاريخ عاصمته المنسيّ
الآن يمكنك مشاهدة آثار بلادك المسروقة على فيسبوك.. نهبت خلال الربيع العربي، والبيع يتم على الماسنجر
روسيا المستفيد الأكبر من فشل الاتفاق النووي مع إيران.. كيف يصبّ ذلك في مصلحة بوتين؟
واشنطن بوست: 3 دول عربية أسهمت في الإطاحة بالبشير.. التقوا قادة المجلس العسكري سراً
أمريكا ساعدت في بنائه، وعالم مسلم باع لهم التقنية.. كل ما تريد معرفته عن برنامج إيران النووي
عاش حياة طبيعية وظل 7 سنوات عميلاً نائماً.. قصة الرجل الذي زرعه حزب الله لتنفيذ عمليات سرية بأمريكا
منافسة على المواهب.. ألمانيا تجني ثمار استقبالها للاجئين، الآلاف يدعمون الاقتصاد سنوياً
ما الذي يحدث بسوريا؟ اشتباكات بين روسيا وإيران، وإقالات في مناصب عليا بالأمن، وأمور أخرى وراء الكواليس
ترامب يهدد بغزو فنزويلا وموسكو تتحدى.. لكن ما دخل سوريا وليبيا بالقصة؟
أول صواريخ دفع ذاتي بالعالم حملت اسمها، وانتشر لحنها في جميع الدول.. ما قصة أغنية «كاتيوشا»؟
«كانت لدينا دولة».. عراقيون يمتدحون عهد صدام احتجاجاً على أوضاعهم الصعبة
خامنئي ينشئ جيلاً جديداً «أكثر طاعة».. ما وراء الإطاحة بالجنرال جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني
حربٌ جويّة مثيرة تدور رحاها بدعم خارجي.. مَن يسيطر على سماء ليبيا؟
لماذا قرر ترامب الآن حظر شراء النفط الإيراني؟ إسرائيل هي كلمة السر
00:00