الثلاثاء, 19 مارس 2019

هل يمكن لشخص أن يواجه نظاماً مسلحاً؟

هل يستطيع جنديٌّ بمفرده أن يواجه جيش دولة؟ ماذا لو كان السؤال: هل يستطيع شخص مدني بمفرده أن يواجه نظام دولة بأكمله؟ قد تبدو الإجابات بديهية وقد يبدو السؤالان مستنكرين!

 

يسهلُ قياس حجم القوة الصلبة (العسكرية أو الاقتصادية) التي تمتلكها أي دولة، بعدتها وعتادها عسكرياً، وبنتاجها المحلي الإجمالي والفردي، وغيرها من العناصر التي تعكس الصورة الحقيقية لقوة الاقتصاد. وعليه، يسهل التنبؤ بمدى تأثير وتهديد القوة الصلبة، ولقد بينتُ في مقالي السابق «استراتيجيات القوة وأدوات الصراع«، ما للقوتين الحادة والناعمة من بالغ التأثير، فالقوتان الحادة والناعمة تحملان المفاجآت دائماً، يصعب قياسهما، بل ويصعب التنبؤ بتأثيرهما إلا بعد حدوثهما، بعكس القوة الصلبة.

 

القوة الصلبة (العسكرية) كانت مُحتَكرة وعلى مدار التاريخ من قبل دول بعينها وبعض التنظيمات والجماعات، تلك التنظيمات والجماعات إما تمولها وتتحكم بها بعض الدول كتنظيم ما يعرف بـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الشمال السوري، أو تقاومها وتسعى للقضاء عليها دولٌ أخرى كما هو الحال مع «كتائب عز الدين القسام»، الجناح العسكري لحركة حماس.

الناس هم القوة

يستطيع الأفراد فرادى أن يشكلوا قوة حادة أو ناعمة بمفردهم، بعكس القوة الصلبة، لو أعدنا النظر في السؤالين في بداية المقال نجد أن جندياً بمفرده لا يستطيع مواجهة جيش، لكن وعلى النقيض يستطيع -مثلاً- «هاكر» بمفرده اختراق نظام حكومة مالي أو مخابراتي، وأن يُخضعها لسيطرته كما حدث مع موقع جهاز المخابرات التابع للكيان الصهيوني «الموساد» حين قام مجموعة من الأفراد الأتراك، يطلقون على أنفسهم اسم «أصلان نفرلار» باختراق موقع الموساد، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

وفي عام 2009 قام شخص أطلق على نفسه اسم ساتوشي ناكاموتو، بالإعلان عن تأسيس ما يعرف بعملة بيتكوين الإلكترونية، هذه العملة هي عملة عادية مثل الدولار واليورو لكنها إلكترونية لا وجود فيزيائياً لها، وهي عملة لا تخضع لرقابة ولا لإدارة مركزية واحدة، لا يوجد وسيط بين شخص وآخر، وفي يوم 29 يناير/كانون الثاني 2019، أعلن أبو عبيدة، المتحدث باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، عن بدء المقاومة باستقبال الدعم المالي، وذلك رداً على تجميد الكيان الصهيوني لمساعدة مالية قطرية أُرسلت إلى حماس (تعلم كيف تستعمل استراتيجية القوة الحادة لتواجه القوة الصلبة، وكيف تلتف عليها). لم يكن الفرد جزءاً من المعادلة في مفهوم القوة قديماً، الآن أصبح الفرد جزءاً فاعلاً فيها، وبإمكانه المشاركة والتفاعل والتأثير.

القوة واللامركزية

كلما زاد القمع باستخدام القوة الصلبة التي تمتلكها بعض الدول الديكتاتورية والقمعية ضد شعوبها كان ذلك إيذاناً بولادة أدوات تنتمي لعائلتي القوة الحادة والناعمة، فما التسريبات والاختراقات التي تطال رؤساء دول وشخصيات نافذة إلا أكبر دليل على ذلك. إذا تمركزت القوة سهُل مواجهتها ومن ثم السيطرة عليها واحتكارها، أما إذا تنوعت (وليس فقط توزعت)، تشتت الخصم، وإذا تشتت صارت القوة أكثر تأثيراً وأكثر انتشاراً ونجاحاً، ولذلك يصعب مواجهة هجمات القوة الحادة المفاجئة أو تعقب ورصد تسلل القوة الناعمة.

أينشتاين واستراتيجيات القوة

يقول أينشتاين في قوانين الديناميكية الحرارية إن «الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم، بل تتحول من حالة إلى أخرى» وكذلك القوة، لا تفنى ولا تُحتَكر ولا تستحدث من العدم وتتحول من حالة إلى أخرى ومن نوع إلى آخر، ونستطيع أن نطلق على هذا المفهوم ديناميكية القوة.

فشل الاحتكار.. واحتكار الفشل

رغم كل ما سبق، تبقى هناك محاولات مستمرة من بعض الدول، تفشل تارة وتنجح تارة أخرى، لاحتكار أدوات القوتين الحادة والناعمة، عن طريق استمالة وشراء أفراد مستقلين أو شركات مستقلة حققت نجاحات حقيقية ومؤثرة في هذين المسارين.

أما الفشل الحقيقي فيمثلُ في دولٍ أخرى ليس لها أي استراتيجية في استثمار وتفعيل قواها الحادة والناعمة، سوى محاولات مبعثرة وفاشلة، بل ومُحتَكرةٌ في يد بعض المنتفعين. المُحصلة أن أكثر ما يميز هاتين القوتين، الحادة والناعمة، أنهما وَلّادَتان، وأنهما لا يمكن السيطرةُ عليهما، فالقوة في عصرنا الحديث ديناميكيةٌ لا تُحْتَكَر!.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هل يمكن لشخص أن يواجه نظاماً مسلحاً؟