رأي

كيف أعيش حياتي في كوريا.. وأنا محكومٌ علي بالإعدام؟

صحفية مصرية مُقيمة في كوريا الجنوبية
أعيش رعباً على أطفالي وزوجي أن تتم أذيتهم بسببي

لا أعرف من أين أبدأ.. أنا لا أحب الكتابة كثيراً، ولكني فجأة أحسست بأني أريد أن أخرج كل مشاعري، أن أصرخ، أن أقول شيئاً، أن أتكلم. 

دائماً أقول إن أمري هين.. ولكنه ليس هيناً،

كنت أكذب على نفسي دائماً.. أقول إني أفضل حالاً من الكثير من المعتقلين داخل السجون، المحكوم عليهم بانتظار موتهم في معاد سبق تحديده.. أهون ممن ماتوا شنقاً بعد حكم الإعدام.. 

ربما هذا صحيح فعلاً، منطقياً حالي أفضل، 

ولكن الحياة ليست دائماً تمشي بالمنطق. 

غالباً ما تخالف أحاسيسُنا وشعورنا وأفكارنا وحياتنا المنطق، 

وأنا أقع في هذه الدائرة التي ربما لن تنتهي أبداً.. دائرة عدم المنطق. 

صحفية في العشرينات من عمرها أحبت الحق وقررت أن تكون في صفه -ربما تبدو هذه الجملة الآن شعارات رنانة- ولكنها كانت منذ ٩ سنوات أهم ما في حياتنا، 

لم أستطع أن أسكت عن فساد أو ظلم أو إهانة، 

عملت في مؤسسات كانت في رأيي أنها ستحقق أحلامي وأحاول من خلالها أن أفعل شيئاً صائباً،

إلى أن وصلنا للانقلاب.. وهو لم يكن انقلاباً عسكرياً فقط أو سياسياً فقط، هذا يبدو خطأً فادحاً جداً، 

هو كان انقلاباً على كل المستويات العامة والخاصة، 

انقلاباً في حياتنا وأعمالنا وأفكارنا وحماسنا. 

رأيت الظلم بفجوره أمام عيني في كل المجازر التي حدثت بذلت كل ما في وسعي لأفضح هذا النظام -لم أندم ثانية واحدة على فعل ذلك- شاركت مع فريق شبكة رصد في فضح نظام السيسي بكل الطرق، 

بتسريبات -تسريبات رصد معروفة ولا تخفى على أحد- أو تقارير أو أي مادة صحفية وقعت في يدي لم أتوانَ أبداً عن استخدامها في عملي ضد النظام،

كانت هذه تهمتي الكبرى، وأصبحت متهمة بالتجسس لأني صحفية.. وتم توقيع أقصى عقوبة علي لأني هاربة خارج بلدي.. هاربة من سجن النظام وبطشه وظلمه. 

هذا حقي نعم.. حقي أن أهرب أن أعيش وأن أموت بأمر الله لا بأمر السيسي وقضائه، 

حقي أن أستغل أي فرصة أحافظ فيها على أنفاسي باقية حية وأكمل المسيرة. 

أستخدمت هذا الحق قليلاً ظاهرياً، ولكن لم أستطع أن أكمل.

 انقلبت حياتي أنا أيضاً.. انقلب ما في داخلي، 

أصبح كل خبر أكتبه، كل تقرير أحاول أن أفعله أصبح ثقيلاً جداً، 

ثقيلاً على عقلي على شعوري على قلبي على أنفاسي.. إلى أن وصلت لمرحلة أنني حتى لم أستطع أن أكتب حرفاً على الشاشة، كان ثقيلاً جداً أن أضغط بإصبعي على لوحة المفاتيح. 

تركت كل شيء في حياتي الصحفية وذهبت، 

حاولت أن أعيش حياة عادية مثل الآخرين.. قلت في نفسي ربما تنفع هذه الحياة الآن معي، أحب أتزوج، أنجب أطفالاً، وأحول مشروع حياتي وأركزه كله على زوجي وأطفالي. ربما أنا في مرحلة تحقيق ذلك المشروع والعمل على نجاحه، 

ولكني ما زلت أكذب على نفسي. 

أنا لم أعرف أن أعيش حياة عادية مستقرة كما الآخرين، 

ما زال كل شيء ثقيلاً، 

كل يوم في خلفية يومي يوجد مشهد الإعدام.. يوجد صوت القاضي الذي نطق الحكم، يوجد مشهد نهار ذلك اليوم، وأنا أجلس أمام التلفاز وأسمع حكم الإعدام علي وأمامي ابني الرضيع وكل ما أفعله هو أن أنظر إليه وأبكي وأبكي، ومازلت أبكي حتى الآن. 

تتكرر هذه الخلفية يومياً في حياتي، لا تتغير أبداً، 

لا أستطيع أن أعيش حياة عادية وأنا محرومة من حضن أمي ورؤيتها ومن إخوتي وأهلي، 

لا أستطيع أن أعيش حياة عادية مستقرة وأنا متنقلة من كل بلد إلى آخر خائفة هاربة.

أعيش الرعب الأكبر من أن يتم تسليمي أو ترحيلي في أي لحظة،

أعيش رعباً على أطفالي وزوجي أن تتم أذيتهم بسببي، 

أعيش رعباً وخوفاً أن يمسوا أهلي بسوء بسببي، 

أن يستغل أحدهم موقفي وحالتي ويؤذي عائلتي. 

 

لم أعرف طعم الاستقرار والحياة العادية الهادئة الجميلة، 

أكذب على نفسي كل يوم أني سعيدة ومستقرة وكل شيء هين ويهون، 

ولكنه ليس هيناً أبداً ولن يهون أبداً،

حتى كتابة هذه السطور كذبت على نفسي فيها بأني سأستطيع أن أخرج كل ما في شعوري، ولكني لم أستطع.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

«عقد ملتقى وطني».. رئيس وزراء الحكومة الليبية يعلن عن مبادرة للخروج من الأزمة
الأناقة لا علاقة لها بالعمر.. جدٌّ ياباني عمره 84 عاماً يصبح من مشاهير إنستغرام بعد أن غيَّر حفيده مظهره بالكامل
خلافاتهم أضعفتهم.. اليمين الأوروبي المتطرف حقق بعض الانتصارات بالانتخابات، لكن ليس كما تتصورون
الإيرانيون لا يستطيعون شراء الحلوى في العراق بسبب ترامب
هدموا مساجدهم وحرقوا مصاحفهم ومنعوهم من الحج.. هكذا تم اضطهاد المسلمين منذ وجودهم في الصين قبل قرون طويلة
المجتمع الدولي في كفة ومكالمة ترامب في كفة أخرى.. لماذا تخلى العالم عن طرابلس؟
بينما كانت واشنطن مشغولة بحروب صغيرة.. أصبحت موسكو وبكين قوتين تهددان الوجود الأمريكي
الحكاية الكاملة للمعركة الدائرة حالياً بين حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وشركة هواوي الصينية
رسائل ترامب المتضاربة.. الرئيس الأمريكي يضع الشرق الأوسط على «حافة السكين»
لماذا يمكن أن تعتمد مصر والإمارات على الجنرال حميدتي؟ تاريخه الذي بدأ من دارفور سيخبرك الكثير
لماذا يستفيد بعض أعضاء الكونغرس من استمرار حرب اليمن؟
«واشنطن بوست» تشرح الأسباب.. لماذا تبني السعودية ومن قبلها الإمارات أطول مبانٍ في العالم؟
كيف يعيش محمد بن سلمان حياته؟ «بيزنس إنسايدر» يكشف معلومات هامة عن ولي العهد السعودي
حُكم الـ3.5%.. دليل الحركات السلمية لإزاحة الأنظمة السياسية والوصول إلى السلطة
معاناة اقتصادية تنتظر الأمريكيين بعد تصعيد ترامب للحرب التجارية مع الصين.. وهذا حجم الضرر المتبادل
5 أسئلة تشرح أزمة البرنامج النووي الإيراني.. ولهذا أصبحت المواجهة الأمريكية مع طهران وشيكة
مصيرها المحتوم.. فورين بوليسي: لا مفرَّ لأمريكا من بقائها في الشرق الأوسط
مدريد أصولها إسلامية.. الشعب الإسباني يعيد اكتشاف تاريخ عاصمته المنسيّ
الآن يمكنك مشاهدة آثار بلادك المسروقة على فيسبوك.. نهبت خلال الربيع العربي، والبيع يتم على الماسنجر
روسيا المستفيد الأكبر من فشل الاتفاق النووي مع إيران.. كيف يصبّ ذلك في مصلحة بوتين؟
00:00