رأي

أبناء ضحايا الاغتصاب في رواندا بلغوا سن الرشد!

مصور وثائقي ومصور صحفي
امرأة ضحية من رواندا وابنها الذي كانت نتيجة اغتصاب جماعي/ صورة جوناثان تورجوفنيك

ما هي آثار أن يولد أحدهم نتيجة لجريمة اغتصاب تحت مظلة الإبادة الجماعية؟ كيف تتعامل الأمهات اللاتي نَجَوْنَ من العنف الوحشي في رواندا مع الصدمة، ومع تعقيدات حيواتهن والآثار طويلة المدى، التي تطول عدة أجيال، لما فُعل فيهن؟

في عام 2018، عدت إلى رواندا لزيارة بعض العائلات التي قابلتها قبل 12 عاماً، عندما بدأت مشروعاً لتوثيق روايات النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب في أثناء الإبادة الجماعية عام 1994 والأطفال الذين وُلدوا نتيجة لهذه الوقائع المروعة. الآن قد أفصحت الأمهات لأطفالهن عن ملابسات الحمل بهم، والأطفال سيتكلمون لأول مرة وهم راشدون، ويقصّون كيف كان الحال وهم يكبرون، في حين يُطلق عليهم «أبناء القتلة».

بين شهري أبريل/نيسان ويوليو/تموز من عام 1994، في غضون 100 يوم بالدولة الإفريقية الوسطى الصغيرة رواندا، قتلت ميليشيات من جماعة الهوتو، تسمى إنتراهاموي، ما يُقدَّر بنحو 800 ألف شخص، غالبيتهم العظمى من جماعة أقلية في الدولة تسمى التوتسي. اغتُصبت الآلاف من نساء التوتسي بقسوةٍ مراراً. نتج عن حوادث الاغتصاب هذه حمل النساء بآلاف الأطفال؛ وإصابة كثير من الأمهات بعدوى فيروس نقص المناعة (HIV) ومتلازمة نقص المناعة المكتسبة (AIDS) في الاعتداءات الوحشية نفسها التي تركتهن حوامل.

والآن بلغ أبناء ضحايا الاغتصاب في رواندا سن الرشد. في سن 24 عاماً يحكي هؤلاء الرجال والنساء عما عناه أن يولدوا نتيجة ملابسات بشعة كهذه، والعزلة التي قابلتهم نتيجة لذلك. يشاركون التحديات التي تواجههم بعدما أصبحوا يافعين في مجتمع انتقادي، يلتصق بالتقاليد والعادات التي تجعل من الصعب عليهم تجنب التمييز والإيذاء. يقول فوستين: «عندما أخبرتني أمي بكيفية تعرضها للاغتصاب، شعرت كأن شيئاً اخترق قلبي». عُلقت والدته برناديت في شجرة واغتُصبت عدة مرات خلال الإبادة الجماعية. وأضاف: «شعرت بكثير من الألم عندما علمت أني وُلدت نتيجة تعرض أمي للاغتصاب، وأن أبي مُغتصِب وقاتل».

يقول توماس: «اعتدت أن أشعر بالسوء، لأن والدي قاتل ومُغتصب، ولازمني شعور بوصمة عار، لأنني وُلدت لشخص قتل الناس. جميعنا نريد أن نُعرَّف بكوننا أشخاصاً صالحين، وآلمني كثيراً أن أُعرف بأنني ابن شخص سيئ، لكن مؤخراً قررت اعتبار أنه لم يوجد مطلقاً، كأنه ليس أبي».

بعض الأمهات أحرزن تقدماً في التعافي خلال هذه السنوات منذ زرتهن. شهدت برناديت، والدة فوستين، ضد والده في المحكمة. وقالت بعد ذلك: «يوماً ما، جاء إلى منزلي، وركع أمامي وتوسّل لكي أسامحه، تأملت (في فكرة) كيف أن كثيراً من النساء تعرضن للاغتصاب، ثم قُتلن بعد اغتصابهن، لكني تعرضت للاغتصاب، ولم يقتلني، لذلك وجدت أنه من الخير لي أن أسامحه». لكن اليوم، كما تضيف، يتعرض ابنها لتمييز ظالم بسبب ما فعله أبوه. تقول: «أُصبت بصدمة واضطراب شديدين، بسبب أن ولدي كان يشار إليه بـ(ابن القتلة) في مجتمعي».

تقول جوستين: «في يوم من الأيام، دعيت ابنتي إلى غرفة نومي وقلت لها: (تعرفين أنه خلال الإبادة الجماعية، قُتِّل كثير من الأشخاص، وتعرضت كثير من النساء للاغتصاب، وربما قد سمعتِ أنه قد وُلد كثير من الأطفال نتيجة لأحداث الإبادة الجماعية. أريد أن أخبرك بأنه في أثناء الإبادة تعرضت للاغتصاب، ونتيجة لذلك أنجبتكِ، ولا أعلم من هو والدك، لأن رجالاً كثيرين اغتصبوني). بعدما قلت ذلك لها، بقيت صامتة، فلم أُكمل، لأنها صُعقت مما أخبرتها به. تحسنت علاقتي بابنتي بعدما بُحت لها بالسر. وقبلها، لم أشعر بكثير من الحب تجاهها، لكن بعد أن أخبرتها بملابسات ولادتها، شعرت بحبها أكثر».

تقول أليس: «الحقيقة هي أن أبي كان من القتلة وفعل أشياء أسوأ مما يمكن أن تفعله الحيوانات. لا أريد أن أرى نفسي من خلاله، لا أعتقد أنه إنسان سَوِيٌّ طبيعي. أثر ذلك عليَّ هو شعوري بأن أبي أسهم في أشياء مروعة حدثت في رواندا، وأشعر بالسوء لأنني وُلدت لشخص مثل هذا. تحسنت الحياة، ولا تزال تتحسن. أنهيت دراستي الثانوية والتحقت بالجامعة، وأنا شابة قوية. اعتدت أن أشعر بحزن دفين. الآن أشعر بأني حرة».

يقول روبرت: «نادتني أمي للمنزل وجلسنا، وبعد ذلك بدأت تخبرني كيف أنني وُلدت ابناً لقاتل، وأن الرجل الذي اغتصبها كان من الهوتو، وأنها لم تشارك في إنجابي من هذا الرجل، وأنها أُرغمت بالقوة، وأن ذلك الرجل لم يكن صالحاً، قَتل كثيرين، لكن أمي أحبَّتني كما أنا، أحبتني لأنني طفلها. انهرت بعدما أخبرتني بذلك وبكيت وأُصبت بصدمة. بعدما أفصحت لي (عن الحقيقة)، كرهت ذلك الرجل الذي كان أبي. لا أعتقد أنني سأسامحه مطلقاً. كان أحد آثار معرفتي أنني وُلدت نتيجة واقعة اغتصاب في أثناء الإبادة الجماعية، نفسياً. شعرت بأنني شخص غير مرغوب فيه. الأثر الآخر هو أنني لا أنتمى إلى عائلة، لديَّ أمي فقط، حقيقة أن أمي أفصحت لي عن أنني وُلدت نتيجة اغتصاب في أثناء الإبادة، جعلت حبي لها يزداد. أعلم أن ما مرت به لم يكن ذنبها».

تقول فاليري: «أخبرت ابني بأنني أمه، وأنني كل شيء له، وأنني ملتزمةٌ العيش معه أطول وقت ممكن. بعدما أخبرته بكل ذلك، كان حزيناً للغاية. بعدها سألني: (هل أخذ الناس السواطير حقاً وقطّعوا الناس وقتلوهم واغتصبوا النساء؟! لا يمكنني تصديق ما حدث فعلاً!). أخبرته بأن هذا حقيقي، وأن أفراد الهوتو قتلوا أفراداً من التوتسي».

تقول ستلا: «رسالتي اليوم إلى العالم هي: (أتمنى ألا تحدث إبادة جماعية في أي مكان، إنها أسوأ شيء يمكن أن يحدث لشخص، أن تفقد عائلتك كلها، وتستمر الآثار أجيالاً بعد ذلك. كان الاغتصاب هو السلاح الأعنف وقت الإبادة، لأن الناس الذين قُتلوا قد ماتوا، لكن الذين تعرضوا للاغتصاب من أمثالنا، عاشوا مع العواقب، وبعدها أورثوا تلك العواقب للجيل التالي)».

يقول كلود: «شعرت بالسوء عندما أخبرتني بذلك، لكني تحليت بالشجاعة لأدرك أنني لن أُعرَّف وفقاً للطريقة التي وُلدت بها، باعتباري شخصاً صغيراً وُلد نتيجة اغتصاب، لكنني أريد بناء مستقبل جيد وأن أكون شخصاً مسؤولاً في حياتي، وألا يُنظر إليَّ فقط باعتباري طفلاً وُلد نتيجة اغتصاب. آثار كيفية ولادتي على حياتي هي شعور الخزي ووصمة العار. حقيقة أن أبي أسهم في قتل الناس واغتصب أمي تشعرني بالخزي، لكنني أتمنى لو حظيت بفرصة لأسأله عما دفعه إلى فعل هذه الأشياء. لقد مات قبل أن يتاح لي لقاؤه».

تقول إليزابيث: «في أثناء نشأتي، عامَلني زوج أمي بطريقة مختلفة؛ رفض دفع رسوم مَدرستي، لذلك كنت أعمل في المنزل وأودي كل الأعمال المنزلية، في حين يكون كل من أختي وأخي، اللذين كانا ابنيه، في المدرسة. كان زوج أمي يعاقبني كأنما يريد قتلي. كان يسميني (الطفلة التي لا تصلح لشيء)، وقتما يقال لي هذه الكلمات السيئة كنت أذهب وأجلس في أي مكان. كنت أكتب أشياء حزينة عن حياتي، أكتب أغاني، لكنها أغانٍ عن التعاسة. فضَّلت الوحدة والعزلة، والكتابة في كتابي».

تقول كلير: «أخبرت ابنتي بأنني تعرضت للاغتصاب في أثناء الإبادة الجماعية على يد ميليشيا الهوتو، ونتيجة لذلك أنجبتها. بدت ابنتي مصدومةً دقائق، ثم ظلت صامتة فترة، ثم وقفت، واحتضنتني وقالت: (أسامحك، لعدم إخباري من قبل)، حضنتها وبكينا معاً. ظلت تقول: (أسامحك، أسامحك) فحسب، شعرت بشعور مريح، لأن عدم إخبارها بالحقيقة كان دائماً عبئاً على كاهلي، والآن ذهب هذا العبء».

بهذا المشروع، آمل أن ألقي الضوء على القضية التي لا تلقى التغطية الإعلامية الكافية، استخدام الاغتصاب سلاحاً في الحروب، وعواقبه: الأطفال الذين وُلدوا نتيجة لحوادث الاغتصاب في مناطق الصراع، والصدمات العميقة والمعقدة التي يعيشون معها طوال حياتهم والتي تستمر للأجيال اللاحقة. بإعادة زيارة العائلات، وجدت قصصاً قوية للأمل والتسامح. لكني وجدت أيضاً الهشاشة والصدمات الباقية لدى الأمهات والأطفال على حد سواء.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأمريكية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

امرأة هاربة، روس لاجئون، وهندي مكروه من الذين سكنوا منزل الأمير هاري وميغان الجديد من قبلهم؟
ترامب عاقب إيران اقتصادياً لكي تأتي خاضعة لكن حدث العكس! لماذا فشلت الضغوط الأمريكية على طهران؟
قد يُنبئ بوجود حياة سابقة وأكثر.. ماذا يعني اكتشاف غاز الميثان على المريخ؟
كولومبوس اكتشف أمريكا بالخطأ.. ماذا تعلم عن الهنود الحمر الذين كانوا يلقون الذهب والزمرد في النار لأجل الآلهة؟
9 سنوات على أول آيباد.. والآن بعد الكثير من الإصدارات هل تطوّر حقاً؟
قصة المشوار الشاق الذي يحول ولي العهد المغربي إلى ملك
«أرغب في اللجوء، وزوجي لا يعرف بذلك».. جملة قد تكلف المرأة السعودية حياتها!
يقال إنه يوم هبوط آدم على الأرض.. ماذا تعرف عن «نوروز» عيد الأكراد المقدس ورمزيّة إشعال النيران؟
اليمين المتطرف تحت المنظار.. خريطة توضح ارتفاع مؤشر الخطر في بريطانيا
ميناء الدقم.. طموح عمان لمنافسة الإمارات في صناعة السفن والسيطرة على مضيق هرمز
00:00