رأي

شاهدتُ الجيش يسرق ثورتنا المصرية.. الآن على الجزائر والسودان تجنُّب الفخ نفسه

محرر ومختص بشؤون الشرق الأوسط
يبدو أن السودانيين والجزائريين -بخلافنا نحن المصريين منذ ثمانية أعوام- أكثر إدراكاً وثقافةً

كنتُ متظاهراً في ميدان التحرير بالقاهرة عام 2011، وبهذه الخبرة كنتُ أتابع انتفاضات السودان والجزائر وفي أذني رنين نغمةٍ حذرة. إذ أعلم تحديداً أي خطبٍ قد يقع في الأيام المقبلة.

هناك مخاطرةٌ بوقوع تقديرٍ خاطئ مدفوعٍ بثقةٍ عمياء. تمكّن المحتجُّون من التحكُّم في المجال العامة بملايين عبَّأت الجزائر والخرطوم، لكن الآن يزداد وعي النشطاء السياسيين والساسة المنتسبين لهم بمواردهم المحدودة. كيف ينبغي لهم أن يسعوا لإدارة مؤسسات الدولة؟

يبدو أن السودانيين والجزائريين -بخلافنا نحن المصريين منذ ثمانية أعوام- أكثر إدراكاً وثقافةً. هُم يدركون أنَّه ورغم وجوب تدخُّل قادة الجيش، يتمثل جوهر وغرض تدخُّلهم في الدفاع ضدَّ كُل أشكال السلطة المتراكمة على مرِّ الزمن والمحشودة أثناء فترة حُكم أسيادهم في السلطة.

يجب على ذاك أن يكون كافياً ليضع نهايةً لأي تصوُّراتٍ رومانسية، وخيالية، وغير واقعية محتملة قد ينويها الجيش كي يسوق إلى الحشود حُلم المستقبل الوردي «الديمقراطي».

لقد كان تاريخ الانتفاضات العربية غبياً ووحشياً على حدٍّ سواء، بخلاف الوقت الذي تنحَّى فيه القادة العسكريون جانباً. إنَّ تسليم الجيش مقاليد حُكم الفترة الانتقالية عقب اندلاع انتفاضةٍ شعبية يعني أن تصبح الأمة رهينةً لإرادة الجنود ومفهومهم المحدود عن ماهية الوطنية. وبعد وقت، كل من يعارض مصالح الجيش يوصَم فوراً بالخيانة.

يبدو السودان أكثر عرضةً للوقوع ضحية مصيرٍ مشابه لمصر، إذ نحَّى الجيش حسني مبارك عقب المظاهرات الحاشدة عام 2011 وقاد البلاد إلى فترةٍ انتقاليةٍ فوضوية وإلى أكثر اللحظات دموية في تاريخ مصر الحديث. لاحقاً أسَّس القادة العسكريون شكلاً غير مسبوق من الحُكم الاستبدادي ومحوا أي أملٍ للتغيير.

سلَّطت الانتفاضة المصرية الضوء على طموحٍ كامن للديمقراطية بين شعوب الدول العربية، لكن بعد سلسلةٍ من النكسات، أصبح الجيش المصري هو الإلهام الحقيقي لجميع القادة العسكريين العرب. إذ قدَّموا لهم مخطَّطاً لكيفية احتواء انتفاضةٍ قوية والاحتفاظ بالسلطة في النهاية.

في الجزائر، التزم الفريق أحمد قايد صالح بالدستور وحُكم القانون في تمهيده الطريق لإحداث تغييراتٍ محدودة بين صفوف النظام. وفي تِلك الأثناء، مزَّق القادة العسكريون في السودان دستور عام 2005، وأعلنوا حالة الطوارئ، وفرضوا حظراً للتجوال، وشكَّلوا مجلساً عسكرياً يستبدل الرئيس عمر البشير، الذي اعتقلوه هو الآخر.

صحيحٌ أنَّه في الجمهوريات العربية، تعوَّد الناس أن يجلُّوا موقع القادة العسكريين من بين النخبة الحاكمة. بالنسبة لكثيرين، ليس الجيش مجرد قوة مقاتلة، لكنَّه أيضاً القائد الأعلى (أعلى حتى من الرئيس، سواءً كان منتخباً أم لا) الذي سيقود البلاد إلى بر الأمان في أحلك الأوقات. لن يهوي السودان ولا الجزائر إلى حالة فوضى شبيهة بالوضع في سوريا لأنَّ القادة العسكريين سيؤدون مهمتهم المنوطين بها. لكن على ذلك الدور أن يتوقَّف عند هذا الحد لا أكثر ولا أبعد من ذلك.

إنَّ إطاحة عبدالعزيز بوتفليقة والبشير من السُّلطة ليست نهاية المطاف، بل إنَّها نهاية البداية فحسب. ما زال أمام الجزائريين معركة مطوَّلة لإيقاف محاولاتٍ تلوح في الأفق بالفعل من  رجال بوتفليقة للإشراف على تغيير مسار الانتفاضة لتصبح عملية تغيير أسماءٍ لا أكثر. وبالمثل على الشعب السوداني التصدَّي لرؤية الجيش العنيفة والقاصِرة لمستقبلهم المتخيَل.

هناك أملٌ قائمٌ حقاً في حقيقة أنَّ متظاهري الجزائر والسودان أثبتوا أنَّهم غير مرهوبين بتجارب سوريا واليمن، تِلك التي يستخدمها الديكتاتوريون في غيرهما من دول المنطقة لإسكات الشعوب وعرقلة أي تهديدٍ بخروج احتجاجات. الآن فتح السودان والجزائر من جديد باباً لمشكلات لا حصر لها، وأثارا ما قد يكون الموجة الثانية من رياح التغيير الجارف في الشرق الأوسط.

تراقب شعوب المنطقة الأحداث الجارية في الجزائر والسودان عن كثب. لم يعُد يُلهيهم عدوان إيران (ذلك الذي استغلَّته ممالك الخليج دعايةً لها). يتبدَّل الجوُّ العام في الشرق الأوسط من جديد صوب التغيير، وعلى الديكتاتوريين أن يخافوا.

توجد في ذلك فرصةٌ أنَّ مصير الشرق الأوسط ربما لا يتحدَّد بالمعركة التي لدى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو الاستعاد لإثارتها مع إيران. بدلاً من ذلك، ربما سيكون نجاح أو فشل المستقبل السوداني والجزائري على المدى القريب هو من يرسُم ذاك المصير. لأوَّل مرةٍ سيكون مصير الشرق الأوسط بين يدي دولتين ليستا من بين دائرة النفوذ المركزية المعتادة من دول النادي العربي.

لدى كلتا الدولتين فرصةٌ حقيقية لإتمام تحوُّلٍ كامل، لكن ما زالت حسابات الجيش في المعادلة هي ما سيُرسي قواعد المستقبل الآتي.

قال جورج أورويل يوماً: «نعلم أنَّ لا أحد يعتلي السلطة بنية التخلي عنها». حتى الآن صدَّق العالم العربي على صحة تلك العبارة. لنأمل أن يُرينا السودانيون والجزائرون عكس ذلك.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

لعنة تشوبادي الشهرية تقتل النساء في نيبال
امرأة هاربة، روس لاجئون، وهندي مكروه من الذين سكنوا منزل الأمير هاري وميغان الجديد من قبلهم؟
ترامب عاقب إيران اقتصادياً لكي تأتي خاضعة لكن حدث العكس! لماذا فشلت الضغوط الأمريكية على طهران؟
قد يُنبئ بوجود حياة سابقة وأكثر.. ماذا يعني اكتشاف غاز الميثان على المريخ؟
كولومبوس اكتشف أمريكا بالخطأ.. ماذا تعلم عن الهنود الحمر الذين كانوا يلقون الذهب والزمرد في النار لأجل الآلهة؟
9 سنوات على أول آيباد.. والآن بعد الكثير من الإصدارات هل تطوّر حقاً؟
قصة المشوار الشاق الذي يحول ولي العهد المغربي إلى ملك
«أرغب في اللجوء، وزوجي لا يعرف بذلك».. جملة قد تكلف المرأة السعودية حياتها!
يقال إنه يوم هبوط آدم على الأرض.. ماذا تعرف عن «نوروز» عيد الأكراد المقدس ورمزيّة إشعال النيران؟
اليمين المتطرف تحت المنظار.. خريطة توضح ارتفاع مؤشر الخطر في بريطانيا
ميناء الدقم.. طموح عمان لمنافسة الإمارات في صناعة السفن والسيطرة على مضيق هرمز
00:00