رأي

لعنة الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي

أستاذة و باحثة في اللسانيات
كل شيء أضحى سريعاً بلا قيمة، الشعور الوحيد الطاغي هو القلق والملل، أصبح الناس باردين، منكفئين على أنفسهم

– تخطف الأضواء نور العين فتضحي العيون داكنة بلا روح، كمية الصور والمعلومات المتدفقة.. الناس المهمون الذين لا وزن لهم حقاً في حياتك، المشاهير، الناجحون، الذين ملأوا هذا الفضاء، أولئك الذين يقتاتون من ضوء عينيك… إن كل شيء في هذا.

العصر يدعوك إلى الانتباه لتكون متقبلاً لكل المعلومات من كل الأشكال والألوان.. الجميع هنا يتحدَّث ويريد بشدة أن يُصغَى إليه، ترى في اليوم الواحد آلاف الإعلانات، تتقبل آلاف الإشارات، والإيحاءات بوعي أو من دون وعي.. كلها قابعة في دماغك، أحببت أم كرهت.

– يجب على الإنسان أن يبقى مشدود الأعصاب، منشغلاً في اللاشيء، في دقيقة واحدة يُجبرك هذا الفضاء على الشعور بأكثر من خمسة أنواع من المشاعر التي قد تكون متناقضة في أحيان كثيرة، لا تفصل بينها سوى ثوانٍ، تتعاطف مع المسلمين الذين قُتلوا كما لو أنهم في لعبة إلكترونية، في نيوزيلندا، ترى صورة صديق قديم أبعدتكما الأيام والمواقف، فتشعر بالحسرة، ترى صورة لحاراتك القديمة فيملأ قلبك الشوق، ترى مقطعاً هزلياً فتضحك، تشاهد طفلاً صغيراً فقيراً فتشفق عليه، تشاهد القدس بأيدي الاحتلال فتيأس، كل هذه المشاعر في دقيقة خلف شاشة الحاسوب والهاتف الذكي، كل هذه المشاعر وأنت في مكانك، قد تضع تعبير إعجاب أو تعليقاً أو مشاركة، ولكنك تبقى في مكانك.

 – مشاعر لا نختبرها بوعي وإنما تحدث عندما نكون منشغلين بتحريك إصبعنا ذهاباً وإياباً على مواقع التواصل الاجتماعي، تحدث الأشياء بسرعة فائقة، تجعلنا غير قادرين على حفظها في الذاكرة، لم نعد نستحضر بوعي شعور الحزن.. الفرح.. الشوق.. أو حتى الخوف.. أو بالأحرى لم نعد نملك الوقت الكافي لنشعر بالشكل الطبيعي. فمن المفترض أن يستغرق شعور الإنسان بالحزن مثلاً وقتاً معيناً، ومن ثمّ نستطيع المرور لنختبر شعوراً آخر، وهكذا دواليك… إلا أن الحال ليس كذلك بالنسبة لمواقع التواصل الاجتماعي، فأنت تتنتقل بسرعة كبيرة من شعور إلى آخر، وهذا ما لا يستطيع الدماغ البشري استيعابه، فينتج عن ذلك القلق والتوتر.

وفي هذا السياق أظهرت دراسة قام بها مركز للصحة النفسية الجماعية على طلاب الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا، أن إصابة الطلاب بحالات الاكتئاب والقلق والتوتر تتناسب طردياً مع مدى استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي.

– للأسف، كل شيء أضحى سريعاً بلا قيمة، الشعور الوحيد الطاغي هو القلق والملل، أصبح الناس باردين، منكفئين على أنفسهم في الحافلات، في القطارات، في الطرقات… شيء ما غريب يحدث في هذا العالم، يسحب دفء الروح من جسده، فيخمد لهب الحياة في القلوب، شيء يجعل الإنسان يدور حول نفسه وصورته أمام الناس، لعنة ما أصابت روح الإنسان فأضحى لا يقوى على الصمت والانعزال عن هذا العالم، لعنة ما ردمت الفطرة تحت رماد القوالب الجاهزة والمعايير المحددة لكل ما هو جميل أو قبيح، إذا ما سألت شابة أو شاباً في مقتبل العمر، أو أنت يا من ساقتك الأقدار لتقرأ كلماتي إذا طلبتُ منك أن تغمض عينيك وطرقت على مسامعك كلمات كالنجاح والجمال والمرأة المثالية والرجل المثالي والسعادة والحب وحتى الحرية… حتما ومن دون أدنى شك ستكون الصور التي لمعت في أدمغتكم عند سماعكم لهذه الكلمات كثيرة الرواج متقاربة، كي لا نقول متطابقة في كثير من الحالات.

– شخصيا أتذكر بداية عهدي في استعمال الفيسبوك، في بدايات اندلاع الثورة السورية، شاهدت فيها فيديو مصوراً لطفل قتل في إحدى حارات ريف دمشق، كانت أحشاؤه بجانبه، كان ما رأيته صادماً، لدرجة أنني قضيتُ أسبوعاً أتقيأ كلما دخل طعام إلى جوفي، إن رؤية طفل مقتول أحشاؤه بجانبه شيء مريع للغاية، إنه شيء مريع وصادم للغاية، كرَّرت الجملة مرتين لأني أحاول أن أسترجع إحساس الألم والصدمة الفطري، الذي من المفترض أن يشعره أي إنسان حين يرى طفلاً صغيراً مقتولاً. وتوالت الأيام وأصبحتُ أرى كلَّ يوم صوراً وفيديوهات. الأطفال الذين قصفوا بالكيماوي في حلب وإدلب، البراميل المتفجرة، ثم مجزرة رابعة، الناس المحروقون، الناس الغارقون في عرض البحر، ذاك الطفل على شاطئ اليونان، أجل ذاك الذي وضعته كصورة بروفايل لمدة أسبوع… والآن بعد كل هذا لم أعد أشعر بالحزن كما كنت ولا بالألم، أصبح الموضوع لا يهز كما كان من قبل، فقد اعتدنا على عدم رد الفعل، أصبحنا نرى كل شيء، ولا نستغرب شيئاً، وحتى إن رددنا على الفعل فيكون بتعليق، أو بتغيير صورة بروفيل، ما الذي يحدث وماذا حدث، هذا ما جعلني أقف وقفة جدية مع نفسي وأنظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي من زاوية أخرى، فمن غير المعقول أن نستعمل شيئاً لساعات يومياً ولا تكون له تأثيرات مباشرة وعميقة علينا كأشخاص، في النهاية يجب علينا أن ننبش في أعماقنا على فطرتنا التي شوهتها الصورة الجاهزة، ونستعيد حريتنا وجرأتنا على أن نكون أنفسنا بفخر، ونعيد النظر في علاقتنا بهواتفنا، حتى لا تملكنا أشياء صنعت لنملكها.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

لعنة تشوبادي الشهرية تقتل النساء في نيبال
امرأة هاربة، روس لاجئون، وهندي مكروه من الذين سكنوا منزل الأمير هاري وميغان الجديد من قبلهم؟
ترامب عاقب إيران اقتصادياً لكي تأتي خاضعة لكن حدث العكس! لماذا فشلت الضغوط الأمريكية على طهران؟
قد يُنبئ بوجود حياة سابقة وأكثر.. ماذا يعني اكتشاف غاز الميثان على المريخ؟
كولومبوس اكتشف أمريكا بالخطأ.. ماذا تعلم عن الهنود الحمر الذين كانوا يلقون الذهب والزمرد في النار لأجل الآلهة؟
9 سنوات على أول آيباد.. والآن بعد الكثير من الإصدارات هل تطوّر حقاً؟
قصة المشوار الشاق الذي يحول ولي العهد المغربي إلى ملك
«أرغب في اللجوء، وزوجي لا يعرف بذلك».. جملة قد تكلف المرأة السعودية حياتها!
يقال إنه يوم هبوط آدم على الأرض.. ماذا تعرف عن «نوروز» عيد الأكراد المقدس ورمزيّة إشعال النيران؟
اليمين المتطرف تحت المنظار.. خريطة توضح ارتفاع مؤشر الخطر في بريطانيا
ميناء الدقم.. طموح عمان لمنافسة الإمارات في صناعة السفن والسيطرة على مضيق هرمز
00:00