تجارب

رمضان بالمصري

كاتب مصري
هناك مكة، مهبِط الوحي، وهنا القاهرة، مهبِط رمضان.

هل فكرت من قبلُ في انتماءِ شهرٍ ما إلى بلد؟ يعني أن يحمل ديسمبر مثلاً جنسيةً ما؟ أن يكون ينايرُ إنجليزياً؟ أو فبرايرُ ضمن مواطِني آسيا؟ أو ينتمي ذو الحجة إلى مكة؟ إن فكرتَ الآن ووجدت جواباً منطقياً أو لم تجد، فلن تعارضني في أنَّ رمضان مُواطنٌ من الدرجة الأولى في مصر، يحمل الجنسية المصرية، ويعودُ من سفرِه إجازةً كل عام يقضيها كلها في شوارعنا من الإسكندرية إلى أسوان، حتى عندما قاتَل المصريون وانتصروا، كان رمضانُ جنديّاً معهم، قال لهم إن المعركةَ ستدور في يومي العاشر، دعوا لي الأمر ولن تنهزموا.

هنا مصر، حيث تَعرِف قدوم الضيفِ -أو صاحبِ الدار- مِن عيون الناسِ لا من أوراق النتيجة، وترى الجميعَ متأهبين أمام التلفاز مَغرب التاسع والعشرين من شعبان، يترقبون كلمة المفتي أو الخبر العاجل، الذي يُعلِن وصولَ مواطننا الكريمِ إلى ديارنا المقدسة غداً أو بعد غد، فتشعر بأن العيد لا يأتي عقب رمضان وإنما يتقدمُه، يحتفي الناس به أكثر من غيرهم، ويحتفون به أكثر من غيرِه، والأمرُ عندهم أكبر حتى من اعتبارِه الدينيّ، وإنما هو شيءٌ روحي خالص وإرث قديم، تجده مترسخاً في صدور الأهالي، يولَد به الأطفال ويرثونه مع جينات آبائهم، فيتوجهون قبل الكبارِ إلى المساجد في التراويح الأولى، تلك الصلاةُ التي تتعانق فيها مآذن المساجد، وتشكّل فيها أصوات الأئمة «كورالاً» من نوعٍ خاص، وتُعقَد مسابقة لمزامير أهل الأرضِ، فيُكرم الفائز فيها بأن يصل صوتُه لطبقات السماء، وتُغلَق الشوارع المحيطة بمسجده، ويصطفُّ الناسُ يريد كل واحدٍ منهم أن يقطع صَلاته خلف كل آيةٍ، ليقول للإمام: «عظمة على عظمة يا مولانا».

مصرُ طبقُ الفول الكبير، الذي يقطعه نهرٌ من الزيتِ الحار. القِدرةُ الفضية الموحَّدة التي على رأسِ كل شارعٍ، يقفُ خلفها «عم أحمد» ويقف أمامها الجمهور العريض يتابعون «الكبشة» كلما صعدت أو هبطت، ويهنئون الحاصلَ على كيس الفولِ وقد ضمِن بيتُه السحورَ اليوم، ولو لم يكن مع الفول غير الخبز لَكفاهم، وفي كل بيتٍ على السحور «خناقة» الطفل المزعج الذي لا يحب الفول، وحرص الأهل على تربيته واستنكارهم لكُفرِه بما وجدوا عليه آباءَهم، فيقولون له تارةً: «الفول مسمار البطن» أي يثبُت في جسمِه، ويعاتبونه تارةً أخرى: «اتكبَّرت على الفول؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! عِيش عيشة أهلك».

وعلى السحور أيضاً كوب المياه الذي يفرغ ويمتلئ بسرعة الضوء، والطفل المزعج ذاته الذي لا يريد أن يستيقظ، أو سيستيقظ لكن «بضرب الجزمة» كما يحب أبوه أن يقول دائماً، ثم إذا استيقظَ نام وهو جالسٌ على «الطبلية»، حتى إذا يئسوا منه –عدا أمه- تركوه واكتفوا بأن يُجرعوه عنوةً بعض قطرات المياه.

تواشيح الفجرِ واقتراب الموعد، مدفع الإمساك وتوتر الآذان، الأذانُ وكوب المياه الأخير، واختلاف الفقهاء -من أهل البيتِ- حول تكملة شُربه للماء من عدمه، ثم الوضوء وصلاة الفجر التي ترى أهل الشارعِ فيها؛ صاحبَ كتاب الله وصاحبَ الكِيف، يتبادلون جميعاً التهنئة بالابتسامات والإيماءات بين الأذان والإقامة، الإمامُ الذي يُطيل بين استمتاع معظم الكبار، وقسَم الصغار جميعاً بشرفِهم ألا يُصلّوا الفجرَ جماعةً مرة أُخرى، مصحوباً بسبابهم -في سرهم- لذلك الرجل الذي جعل أقدامهم تخور وأعينهم تنغلق ولا رحمة في قلب أمِّه.

اليوم الطويل جداً، النوم من الفجر إلى الظهر -باستثناء ذهاب الأب لعمله أو  الصغار لامتحانات نهاية العام- ثم من الظهر إلى العصر معركة أخرى لاستكمال النوم تبوء بالفشل وتجلب الصداع، وبين العصر والمغرب ألف شيءٍ يحدث في ثلاث ساعات.

يعود الرجالُ إلى بيوتهم معلَّقين بين النومِ واليقظة، فيفضلون قراءة القرآن في الصالون أو على عمودٍ بالمسجد، وتنشغل الأمهاتُ بإعداد ورق العنب والبط، كأنَّ «المَحشي» من نفحات رمضان! فإن كان للصيام شروط صحة، فإن للإفطار شروط صحته، وعلى رأسها المحشي بعد كوب التمر.

أما الصغار فلديهم حروب أخرى، جزء منهم ينازع اليومَ لينتهي، وهم هؤلاء الصائمون الجدد الذين ينتظرون مع أذان المغرب مكافأة الأب المالية، وجزء آخر في المسجد يجعل الناسَ تستغفر ربها وتحاول قدر الإمكان كظم الغيظ وتكملة اليوم على خير، إلى أن يجري وراءهم خادم المسجد ثم يقرر -بلا إرادة- أن يسبهم ويسب آباءهم ولو كانوا موجودين حتى، وعلى باب المسجد يوصِّلهم لسانُه حتى بيوتِهم باللعنات والوعيد، ويقوم بعضُ الكبار يهدِّئونه ويذكّرونه بالله، كأن أمه ماتت!

يعود الصغار متسلِّلين، يُقدم كلٌّ منهم تعهداً بالجلوس «زي الكلب» لا يتحرك ولا يُحدث بلبلة، حتى إذا اقترب الأذانُ «عادت ريما لعادتها القديمة»، وانقلب المسجدُ إلى ساحة قتال على عصير التمر وحبّات البلح، وغالباً يفوز بالمعركةِ الأطفالُ الذين لم يصوموا أصلاً، ورغم إفطارِهم فإنهم لا يرفعون الأكوابَ إلى أفواههم إلا مع «الله أكبر».

الله أكبر، تصريحٌ واضح باختراق عشرات الأيادي لشبّاك سيارتك، فتصير مطعماً متحركاً ممتلئاً بالوجبات، وتجد في فمِك -رغم أنفك- تمراتٍ وأنواعاً من العصائر وأصنافاً من الطعام، فهُنا إن جاعَ الناسُ وبرزت عظامهم طوال العام، يُصابون بالتخمة ساعة الإفطار طوال الشهر في الطرقات أو على موائد الرحمن. حتى تفكر في أن قوم عيسى حين طلبوا مائدةً من السماء ليؤمنوا بالله، لو صبروا قليلاً ورأوا تلك الموائدَ لمَا حدث ما حدث، ولنالوا الحُسنيَين: آمنَت بالله قلوبُهم، وآمنَت بأنفاسنا في الطعامِ بطونُهم.

رمضانُ مصريٌّ بطبعِه، ينتظر أحَد عشر شهراً كل عامٍ، يستقبله الناس أو يودعونه في كل بلدٍ، حتى إذا حان موعدُه وتحرَّك موكبُه اختارَ مصرَ ليقيم فيها منتشراً في كل بيت وحارةٍ، داخل كل شادرٍ لبيع التمور والحلوى، وفي كل موقدِ فطاطري وبائع كنافة، وبعد كل ركعتي تراويح، وقبل كل مدفع إفطار أو إمساك، وفي كل مائدة وعلى كل سفرة، وفي صوتِ كل أب ووقفةِ كل أم، وعلى ألسنة الصغار الجافة وأصابعهم التي يكتشفون من خلالها مدى صدق الذي يدَّعي الصيام، وفي كل مسيرةٍ لعيالِ المنطقة يرحبون فيها بالشهرِ طوال ليالي الشهر، ويجعلون من «سِلك المواعين» قناديل مشتعلة، وفي حملات تنظيف البيتِ التي يُهوِّن على الفتياتِ مشقتَها، قولُ الأم أنهم لن يقوموا بأي حملة تنظيف أخرى خلال الشهر الكريم.

هو متنُ قصيدةٍ تتلوها الأجيالُ بلا انقطاع، و»حدوتة مصرية» تمتد من المنابر إلى المصاطب، ومن الأذان إلى الآذان، ومن صوت التراويح إلى صوتِ العيال وفي أياديهم الفوانيس: «رمضان بُكره شِدّ الأُوكْرة- حَاللو يا حاللو رمضان كريم يا حاللو- وَحَوِي يا وَحَوِي- رُحت يا شعبان جِيت يا رمضان- رمضان جانا وفرحنا بُه بعد غيابُه- أهو جِه يا ولاد- مَرْحَب شهر الصوم مَرْحَب- بكاار بكاار بكار أبو كفّ رقيق وصغير- المفتش كرومبوو- المغامرون الخمسة في الخير يلتقون لوزة لوزة تختخ عاطف محب- الأنبياء المرسلون هم عبرةٌ للمؤمنين- اصحى يا نايم وحِّد الداايم- الإخوة المؤمنون الآن مع قرآن المغرب بصوت الشيخ محمد رفعت- مدفع الإفطااار إضرااااب- الله أكبر الله أكبر- مولاااي مولااي إني ببابك قد بسطتُّ يدي»، والكثير الذي لا يسعه مقال ولا ألف مقال.

هناك مكة، مهبِط الوحي، وهنا القاهرة، مهبِط رمضان.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

حُكم الـ3.5%.. دليل الحركات السلمية لإزاحة الأنظمة السياسية والوصول إلى السلطة
معاناة اقتصادية تنتظر الأمريكيين بعد تصعيد ترامب للحرب التجارية مع الصين.. وهذا حجم الضرر المتبادل
5 أسئلة تشرح أزمة البرنامج النووي الإيراني.. ولهذا أصبحت المواجهة الأمريكية مع طهران وشيكة
مصيرها المحتوم.. فورين بوليسي: لا مفرَّ لأمريكا من بقائها في الشرق الأوسط
مدريد أصولها إسلامية.. الشعب الإسباني يعيد اكتشاف تاريخ عاصمته المنسيّ
الآن يمكنك مشاهدة آثار بلادك المسروقة على فيسبوك.. نهبت خلال الربيع العربي، والبيع يتم على الماسنجر
روسيا المستفيد الأكبر من فشل الاتفاق النووي مع إيران.. كيف يصبّ ذلك في مصلحة بوتين؟
واشنطن بوست: 3 دول عربية أسهمت في الإطاحة بالبشير.. التقوا قادة المجلس العسكري سراً
أمريكا ساعدت في بنائه، وعالم مسلم باع لهم التقنية.. كل ما تريد معرفته عن برنامج إيران النووي
عاش حياة طبيعية وظل 7 سنوات عميلاً نائماً.. قصة الرجل الذي زرعه حزب الله لتنفيذ عمليات سرية بأمريكا
منافسة على المواهب.. ألمانيا تجني ثمار استقبالها للاجئين، الآلاف يدعمون الاقتصاد سنوياً
ما الذي يحدث بسوريا؟ اشتباكات بين روسيا وإيران، وإقالات في مناصب عليا بالأمن، وأمور أخرى وراء الكواليس
ترامب يهدد بغزو فنزويلا وموسكو تتحدى.. لكن ما دخل سوريا وليبيا بالقصة؟
أول صواريخ دفع ذاتي بالعالم حملت اسمها، وانتشر لحنها في جميع الدول.. ما قصة أغنية «كاتيوشا»؟
«كانت لدينا دولة».. عراقيون يمتدحون عهد صدام احتجاجاً على أوضاعهم الصعبة
خامنئي ينشئ جيلاً جديداً «أكثر طاعة».. ما وراء الإطاحة بالجنرال جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني
حربٌ جويّة مثيرة تدور رحاها بدعم خارجي.. مَن يسيطر على سماء ليبيا؟
لماذا قرر ترامب الآن حظر شراء النفط الإيراني؟ إسرائيل هي كلمة السر
قد يُنبئ بوجود حياة سابقة وأكثر.. ماذا يعني اكتشاف غاز الميثان على المريخ؟
كيف يشكل الحزب الشيوعي وعي المسلمين ليضمن السيطرة عليهم؟
00:00