تجارب

رسالة من تحت الركام

مدونة سورية مُقيمة في النرويج
لا زلت أتمنى لو أني متُّ في تلك الليلة الوترية وعانقت زوجتي وطفلي وارتميت معهم تحت الأنقاض

كانت الطائرات الحربية ترمي بأثقالها المدمرة نحو رؤوسنا ورؤوس أطفالنا، وصوت المروحية اللعينة تقتل خلايا دماغي قبل أن تفعل ذلك بسائر الجسد، أصوات النساء وصريخهن المؤلم، وبكاء الأطفال وذعر الشيوخ، كلها تفاصيل من موتٍ أزرق لا تكاد تسمع عنه شيئاً قط.

لا زلتَ آمناً مطمئناً، تفكر في مستقبلك وتتذمر من يومك لأنك لم تتمكن من الخروج من العمل باكراً، فتلعن المدير وتشتم سائق الحافلة، وتغضب في وجه زوجتك وتصرخ بوجه أطفالك، إذ إن يومك كان سيئاً، لكنني هنا أتمنى لو أني أستطيع أن أكون مكانك، أن آخذ عملاً، وأملك طفلاً، وأحصل على زوجة، وأرى وجه سائق الحافلة مرة أخرى على الأقل.

سائق الحافلة أصابته شظية فمات، لقد كان مرحاً ويحب جميع سكان الحي، كانت حافلته نظيفة على الدوام، وأصوات القرآن ترتجل من مذياعه كل صباح، ومدير عملي مات تحت أنقاض منزله، لقد انتشلوا جثته من تحت الركام، وبقي طفلي داخلاً لم أستطع انتشاله.

ولا أزال حتى يومي هذا ورغم مرور 20 عاماً على تلك الحرب، إلا أن صوت طفلي وهو يبكي خائفاً من صوت المروحية لا يزال ينخر دماغي ويصيبني بالصداع كل ليلة، ولا زلت أتفقد زوجتي ولا أجدها في سريرها فأتذكر أنها كانت على سريرها ترتل القرآن حينما ضربت تلك المروحية حمولتها الثقيلة، ولا زلت أذكر أن القمر حينئذ كان بدراً مكتملاً، ناصعاً في بياضه، لطخته دماء الضحايا فور سقوط القذيفة، واختبأ بعدها وراء الغيوم تجتاحه الخيبة والهوان، يبكي قضيتنا للسحب الشاردة، ويشتكي لربه خذلان النيام، يسخط على مَن سد أذنيه عن صوت الضحايا، ويقصّ للبحر قصة من زوّر الحقيقة، ويشهد للسماء على قاتل سفاح قتل وهرب، ويناشد القبور أن تلعن الجلاد.

لا زلت أتمنى لو أني متُّ في تلك الليلة الوترية، ولو أني عانقت زوجتي وطفلي في ذاك الوقت وارتميت معهم تحت الأنقاض نحو حياة أبدية، يكسوها غبار الزمان بهدوء نحو عشرات السنين، لكنت الآن حياً يرزق فوق سبع سماوات أو كنت جسداً نحيلاً محللاً مع تربة الأحبة، تمسك أصابعي بأصابع ابني، وأحتضن زوجتي الشهيدة، لكنت الآن نائماً لا يزعجني خذلان هذه الأمة، ولا تكسرني شوكة هذا الطاغي.

لكن.. لا يدرك الموت من تمناه يوماً، بل يحظى المصاب بلوعة الفراق، ويكون حظه سيئاً في الموت أيضاً، فيموت غيره في يوم قصير مكتمل البدر في موتة واحدة، بينما أموت أنا في حياة طويلة كل نهار ألف موتة.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

«واشنطن بوست» تشرح الأسباب.. لماذا تبني السعودية ومن قبلها الإمارات أطول مبانٍ في العالم؟
كيف يعيش محمد بن سلمان حياته؟ «بيزنس إنسايدر» يكشف معلومات هامة عن ولي العهد السعودي
حُكم الـ3.5%.. دليل الحركات السلمية لإزاحة الأنظمة السياسية والوصول إلى السلطة
معاناة اقتصادية تنتظر الأمريكيين بعد تصعيد ترامب للحرب التجارية مع الصين.. وهذا حجم الضرر المتبادل
5 أسئلة تشرح أزمة البرنامج النووي الإيراني.. ولهذا أصبحت المواجهة الأمريكية مع طهران وشيكة
مصيرها المحتوم.. فورين بوليسي: لا مفرَّ لأمريكا من بقائها في الشرق الأوسط
مدريد أصولها إسلامية.. الشعب الإسباني يعيد اكتشاف تاريخ عاصمته المنسيّ
الآن يمكنك مشاهدة آثار بلادك المسروقة على فيسبوك.. نهبت خلال الربيع العربي، والبيع يتم على الماسنجر
روسيا المستفيد الأكبر من فشل الاتفاق النووي مع إيران.. كيف يصبّ ذلك في مصلحة بوتين؟
واشنطن بوست: 3 دول عربية أسهمت في الإطاحة بالبشير.. التقوا قادة المجلس العسكري سراً
أمريكا ساعدت في بنائه، وعالم مسلم باع لهم التقنية.. كل ما تريد معرفته عن برنامج إيران النووي
عاش حياة طبيعية وظل 7 سنوات عميلاً نائماً.. قصة الرجل الذي زرعه حزب الله لتنفيذ عمليات سرية بأمريكا
منافسة على المواهب.. ألمانيا تجني ثمار استقبالها للاجئين، الآلاف يدعمون الاقتصاد سنوياً
ما الذي يحدث بسوريا؟ اشتباكات بين روسيا وإيران، وإقالات في مناصب عليا بالأمن، وأمور أخرى وراء الكواليس
ترامب يهدد بغزو فنزويلا وموسكو تتحدى.. لكن ما دخل سوريا وليبيا بالقصة؟
أول صواريخ دفع ذاتي بالعالم حملت اسمها، وانتشر لحنها في جميع الدول.. ما قصة أغنية «كاتيوشا»؟
«كانت لدينا دولة».. عراقيون يمتدحون عهد صدام احتجاجاً على أوضاعهم الصعبة
خامنئي ينشئ جيلاً جديداً «أكثر طاعة».. ما وراء الإطاحة بالجنرال جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني
حربٌ جويّة مثيرة تدور رحاها بدعم خارجي.. مَن يسيطر على سماء ليبيا؟
لماذا قرر ترامب الآن حظر شراء النفط الإيراني؟ إسرائيل هي كلمة السر
00:00