رأي

دعم الجيش الجزائري للحراك الشعبي.. المفارقة التي صنعت الحدث

كاتب و باحث جزائري
الاحتجاجات الجزائرية / رويترز

تواطؤ الجيوش في دول العالم الثالث مع الأنظمة ضد شعوبها حاضر وبقوة، وشكلٌ من أشكال القوى الجاثمة على صدور الشعوب حتى بعد تحرُّر أوطانها من بطش المستعمر. الدوائر الإعلامية الداخلية والخارجية على اختلاف توجهاتها لم تُخفِ ذهولها حيال تحيُّز الجيش إلى صف المطالب الشعبية.

المفارقة في نماذج الانتقال الديمقراطي التي حدثت في دول العالم الثالث، أنه لم يحصل وإن وقفت مؤسسة جيش برمتها في صف حراك شعبي يسعى إلى إسقاط سلطة قائمة ساندها يوماً ما وعبَّد لها الطريق نحو الحُكم، عدا تلك التي حصلت في جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً والتي قادها ثلة من الضباط المنشقين عن الأنظمة الاستبدادية.

ورغم المخاوف والتوجس الذي لم يُخفِه كثير من المتتبِّعين لمسار الحراك الجزائري، من هندسة الجيش لخارطة ما بعد نظام بوتفليقة، بناء على التجارب الحاصلة في دول الربيع العربي بمصر واليمن وسوريا، واستماتة الجيش في الدفاع عن النظام القائم، إلى هنا يبدو التخمين منطقياً، فإن المقاربة الفعلية للحالات السابقة والحالة الجزائرية تدحض الإسقاط كما هو، لأن منطلقات الطرح الذي جاءت به قيادة الجيش في الجزائر بتفعيل المادة 102 من الدستور وتفعيل مبدأ شغور منصب رئيس الجمهورية، واستدراكها فيما بعد بتفعيل المادتين 7 و8 من الدستور واللتين تنصان في مضمونهما على أن «الشعب هو مصدر كل سُلطة»، قرار يفسره البعض على أنه عودة الجيش الى مساره الحقيقي بعد أن تمت مصادرة صلاحياته التامة بعد العهدة الرابعة لبوتفليقة، عندما أحكم قبضته على المؤسسة وفكك جهاز الـ «دي آر إس» وإحالة مديره «الجنرال توفيق» إلى التقاعد، ليلحق تسييره برئاسة الجمهورية تحت اسم «دائرة المصالح الأمنية» برئاسة الجنرال بشير طرطاق.

تفكيك الأحجية العسكرية التي هيمنت عليها مؤسسة الرئاسة في أعقاب الولاية الرابعة لبوتفليقة، لم يكن بالأمر الهين، فبعد فصل القيادة العسكرية في تخندُقها بصف الحراك الشعبي، بدأت بوادر التحرر من قبضة المؤسسة الرئاسية التي هيمنت على المشاهد السياسية في البلاد، وألقت سيطرتها على المؤسسة الصانعة للرؤساء بالجزائر، ليعلنها قائد الأركان صراحة ويدفع الرئيس الى التنحي والعدول عن الترشح للولاية الخامسة، التي أصبح رفضها الشعبي المطلب الرئيس في شعارات الحراك الشعبي منذ انطلاقه في 22 فبراير/شباط 2019.

حصانة الحراك الشعبي في الجزائري من الاختراق الخارجي

الحصانة الداخلية ضد التدخل الأجنبي بلورتها عقيدة مجتمعية للفرد الجزائري الذي يؤمن إيماناً راسخاً بمداواة جراحه وحده ليكون طبيب نفسه، فرغم المحاولات الخارجية بالتدخل في الشأن الداخلي للجزائر بكل مناسبة، فإن المناعة حيال ذلك تجهض كل التحركات المشبوهة، هذا ما حصَّن الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير/شباط، من أي اختراق وأعطى درساً حضارياً للشعوب المناضلة، ودحض كل المشككين في سلمية الحراك ممن رفعوا فزاعة الأزمات الأمنية التي ضربت دول الربيع العربي، ونقصد هنا خطاب الوزير الأول السابق أحمد أويحيى، الذي برر الصمت الرسمي، في البرلمان الجزائري، حيال الحراك الشعبي السلمي بأن الثورة السورية بدأت بالورود وانتهت بالمآسي، وهي شكوك ردَّ عليها المتظاهرون بقوة السلمية وقمَّة الوعي، ففي كل جمعة لم تغِب صور الشباب وهم يقدمون الورود لرجال الأمن ويوشِّحونهم بالأعلام الوطنية، لتنتهي في المساء بتنظيف الشوارع والساحات العامة.

عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية الراسخة منذ وضع معالمها الأولى لم تخلُ من تكريس مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو مبدأ جعل الجزائر بمنأى عن التورط في أي صراعات إقليمية أو دولية، وأسهم في الحفاظ على صورة الجزائر قِبلة الأحرار. المبدأ رافق كل المحطات السياسية وبغض النظر عن طبيعة الأيديولوجيا بقي راسخاً وعقائدياً.

الجزائر كانت -وما زالت- ملاذاً آمناً للأحرار، فمن أرضها تم إعلان قيام دولة فلسطين بعد إيوائها ودعمها العلني لفصائل المقاومة الفلسطينية عقوداً من الزمن. الأفارقة هم الآخرون كان لهم نصيب من الدعم المادي والمعنوي، منذ انضمام الجزائر إلى حركة عدم الانحياز، فتصاعُد وتيرة التمييز العنصري لنظام الأبارتيد جعل من نزول «نيلسون مانديلا» للإقامة في الجزائر خياره الأول.

على الرغم من حدَّة الأزمة الأمنية التي عاشتها في أثناء العشرية الحمراء، وتأجُّج حدة العنف، لم تتغير عقيدة الجزائر في شقها الخارجي، هذا ما نأى بها عن التدخل الأجنبي بشأنها الداخلي، بل زاد الإصرار على عدم فتح المجال للتدخل الأجنبي وتدويل ملف العشرية، رغم أن من المحللين من يوعز ذلك إلى مخافة بعض المسؤولين بالنظام من المتورطين في تلك الأحداث من جهة وسعي فاعلين سياسيين من أحزاب وجمعيات سياسية إلى عقد ندوة سانت إيجيديو من جهة أخرى، والتي اعتُبرت محاولة لتدويل المأساة الجزائرية، ليتم وأد المبادرة تحت طائلة محاولة تدويل الملف الأمني الجزائري، حتى حطت الأزمة أوزارها بمساعٍ داخلية جمعت الأطراف المتصارعة، تحت قيادة الجيش في نهاية التسعينيات، ليتم تبنِّي المبادرة سياسياً، وهي الأزمة التي اعتبرها كثيرون ممن اهتموا بالشأن الجزائري ربيعاً استباقياً عاشته الجزائر، عزز من المناعة حيال الانزلاقات الأمنية لاحقاً، ودرساً استوعبه الجزائريون بعد معايشة العشرية الحمراء وما خلفته من مآسٍ.

أحداث الربيع العربي بعد 2011 والاضطرابات الأمنية التي عاشتها دول الربيع، الجزائر وبالنظر إلى حالة الاستقرار الأمني كانت من الدول التي استقطبت اللاجئين السوريين الفارِّين من الحرب والصراعات الدائرة هناك، فضلاً عن موجة النازحين من التوترات الأمنية في شمال مالي من اللاجئين إلى الجزائر، بالنظر إلى التضامن الشعبي الذي فاق التعامل الرسمي معهم، رغم بعض التجاوزات والاعتداءات التي تورط فيها المهاجرون في مناطق إقامتهم والتي ألقت بظلالها على الأمن المجتمعي، وانتشار ظاهرة التسول بالأماكن العامة وعلى أبواب المساجد والأسواق الشعبية، ليتم تجاوز الظواهر سالفة الذكر، من خلال إجراءات تعلقت بترحيل المهاجرين الأفارقة والسوريين بعد أن أصبحت الجزائر منطقة عبور إلى الضفة الأوروبية، عبر قوارب المهاجرين غير الشرعيين من السواحل الشرقية والغربية الجزائرية نحو جزيرة سردينيا الإيطالية والسواحل الإسبانية في الغرب.

تلك الدعائم التي لا غنى عنها شكَّلت المنعطف الحاسم في بلورة موجة الحراك الشعبي، وأدت الدور في المحافظة على نسق الحراك، وعدم تأثره لا بالعوامل الخارجية ولا الداخلية، فهْم النسق الحركي في النموذج الجزائري أصبح محل تحليل وتشريح سوسيولوجي، بغية وضعه في الإطار الأكاديمي لدى المهتمين بحقل العلوم الاجتماعية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

حُكم الـ3.5%.. دليل الحركات السلمية لإزاحة الأنظمة السياسية والوصول إلى السلطة
معاناة اقتصادية تنتظر الأمريكيين بعد تصعيد ترامب للحرب التجارية مع الصين.. وهذا حجم الضرر المتبادل
5 أسئلة تشرح أزمة البرنامج النووي الإيراني.. ولهذا أصبحت المواجهة الأمريكية مع طهران وشيكة
مصيرها المحتوم.. فورين بوليسي: لا مفرَّ لأمريكا من بقائها في الشرق الأوسط
مدريد أصولها إسلامية.. الشعب الإسباني يعيد اكتشاف تاريخ عاصمته المنسيّ
الآن يمكنك مشاهدة آثار بلادك المسروقة على فيسبوك.. نهبت خلال الربيع العربي، والبيع يتم على الماسنجر
روسيا المستفيد الأكبر من فشل الاتفاق النووي مع إيران.. كيف يصبّ ذلك في مصلحة بوتين؟
واشنطن بوست: 3 دول عربية أسهمت في الإطاحة بالبشير.. التقوا قادة المجلس العسكري سراً
أمريكا ساعدت في بنائه، وعالم مسلم باع لهم التقنية.. كل ما تريد معرفته عن برنامج إيران النووي
عاش حياة طبيعية وظل 7 سنوات عميلاً نائماً.. قصة الرجل الذي زرعه حزب الله لتنفيذ عمليات سرية بأمريكا
منافسة على المواهب.. ألمانيا تجني ثمار استقبالها للاجئين، الآلاف يدعمون الاقتصاد سنوياً
ما الذي يحدث بسوريا؟ اشتباكات بين روسيا وإيران، وإقالات في مناصب عليا بالأمن، وأمور أخرى وراء الكواليس
ترامب يهدد بغزو فنزويلا وموسكو تتحدى.. لكن ما دخل سوريا وليبيا بالقصة؟
أول صواريخ دفع ذاتي بالعالم حملت اسمها، وانتشر لحنها في جميع الدول.. ما قصة أغنية «كاتيوشا»؟
«كانت لدينا دولة».. عراقيون يمتدحون عهد صدام احتجاجاً على أوضاعهم الصعبة
خامنئي ينشئ جيلاً جديداً «أكثر طاعة».. ما وراء الإطاحة بالجنرال جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني
حربٌ جويّة مثيرة تدور رحاها بدعم خارجي.. مَن يسيطر على سماء ليبيا؟
لماذا قرر ترامب الآن حظر شراء النفط الإيراني؟ إسرائيل هي كلمة السر
قد يُنبئ بوجود حياة سابقة وأكثر.. ماذا يعني اكتشاف غاز الميثان على المريخ؟
كيف يشكل الحزب الشيوعي وعي المسلمين ليضمن السيطرة عليهم؟
00:00