رأي

باتت دولة الخلافة من الماضي.. لكن لدى تنظيم داعش خطة جديدة

كاتب صحفي
أبوبكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"

بعد أربع سنوات من إعلانه «الخلافة»، ظهر أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مرة أخرى في شريط فيديو دعائي. لكن هذه المرة، فالرجل الظاهر في الفيديو ليس الخليفة الذي يخطب فوق منبره، لكنه هارب مطارد. سارع المعلقون إلى تذكر كم تشبه هذه الصور آخر صور معروفة للرجل الثاني في تنظيم القاعدة في وقتها، أبومصعب الزرقاوي، قبل أسابيع قليلة من وفاته، جالساً على وسائد على الأرض، في غرفة بلا نوافذ، مع أضواء النيون الشاحبة، وفي يده سلاح. هذا الفيديو الجديد إنتاج متزن، حتى الموسيقى التصويرية، مع خلفية الغناء البسيطة، تخلو من الجعجعة.

يعيش البغدادي في فقاعة أمنية صغيرة، مليئة بالمؤيدين الذين لا يستطيع التأكد من ولائهم. إنه يشبه الحيوان الهارب في بيئة معادية، ويعيش في خوف من أن يخضع شخص ما للإغراء؛ مكافأة قدرها 25 مليون دولار وعدت بها الولايات المتحدة ثمناً للقبض عليه. يستنزف كثيراً من وقته وطاقته وموارده للتيقن من سلامته. ويمثل بث هذا المقطع الأحدث، حتى لو كان يوفر معلومات شحيحة حول مكان وجوده، أو هوية من حوله، خطراً كان مجبراً على تحمله.

كان في أمسّ الحاجة إلى تعبئة قواته، بعدما ساهمت الاستراتيجية العسكرية الشاملة لتنظيم داعش  لتنفير قطاعات كبيرة من الحركة الجهادية، في انهيار ما يسمى الخلافة، وفي تحدي أنصار البغدادي لزعيمهم. لم ينخرط هذا الفيديو في الجدالات والخلافات اللاهوتية التي مزقت تنظيم داعش في السنوات الأخيرة.

إذا كان شريط الفيديو الأول للبغدادي قد قدمه على أنه داعية مطلق القوة للمسلمين في أنحاء العالم، فإن أحدث فيديو أكثر بقليل من مجرد دليل على بقائه على قيد الحياة، وكأنه هو أحد رهائن داعش. لكن  بالنظر أبعد من ذلك (وقد صدق قليلون الشائعات الروسية على الأغلب بأنه قد مات بالفعل)، فالفيديو ذو قيمة كبيرة، قيمة الندرة، بالإضافة إلى أنه يقدم أدلة أخرى. على الرغم من تبني تنظيم داعش للهجمات الإرهابية التي وقعت الشهر الماضي في سريلانكا، فإن التنظيم لم يرتبها، وإنما ارتُكبَّت ببساطة باسمه، مع وجود رابط فضفاض مع القيادة المركزية للتنظيم. هل كان البغدادي سيصور هذا الفيديو في الفترة من 10 إلى 19 أبريل/نيسان، وفقاً لتقديرات أجهزة الاستخبارات، إذا كان يعلم أو حتى يتخيل أن تنظيمه سينجح في ارتكاب الهجوم الأكثر دموية خارج المنطقة في 21 أبريل/نيسان؟ ذُكرَّت سريلانكا فقط في مقطع صوتي أضيف بعد تصوير الفيديو.

ويثبت هذا أن التنظيم خسر بوضوح قدرته على التخطيط لهجمات كبرى وقيادتها. لكن للأسف، لا تزال قدرته على أن يكون مصدر إلهام لارتكاب فظائع، وتوفير التوجيه والتمويل والتكنولوجيا، والأهم من ذلك علامته التجارية، غير منقوصة. قدرت المخابرات البريطانية مؤخراً أن 80٪ من المؤامرات الإرهابية في المملكة المتحدة في العام الماضي جاءت من أفراد ليس لديهم اتصال بالقيادة المركزية للتنظيم في سوريا أو العراق.

إن المفارقة في هزيمة الخلافة هي أنه مع انهيارها، لم يتأثر تحويل تنظيم داعش إلى علامة تجارية عالمية إلا قليلاً. الآن بعد أن فقد أرضه، توجه داعش أكثر من أي وقت مضى إلى بقية العالم. سعى الفيديو إلى التأكيد على الطبيعة الدولية للنضال، والمقاتلين الأجانب الذين لقوا حتفهم أثناء انهيار الخلافة. لم يعد الفوز هو الهدف الأسمى. يذكرنا البغدادي في آخر فيديو له: «الله أمرنا بالجهاد ولم يأمرنا بالنصر». بسقوط الخلافة، فاز الغرب بوضوح في معركة، معركة حاسمة، لكننا لم ننتصر في الحرب.

ما زال تنظيم داعش حياً في عقول الناس. إن إنتاجه الدعائي، الذي تضاءل بشدة بسبب الخسائر في الموصل ثم الرقة، آخذ في الزيادة مرة أخرى. بدأت أفعاله في مناطق مختلفة تحت شعار عملية عالمية «الثأر للشام»، تكلف عدداً متزايداً من الأرواح. الاحتجاجات الأخيرة في العالم العربي، مع سقوط الديكتاتوريين في الجزائر والسودان، ستكون حاسمة لمستقبل تنظيم الدولة الإسلامية: لقد كانت حركة وُلدت من انهيار نظام صدام حسين عام 2003، وانبعثت عام 2011 مع الربيع العربي. أعرب البغدادي عن رفضه لهذه الانتفاضات الشعبية الأخيرة. ومن المؤكد أن الحركة الجهادية ستحاول اختطاف هذه الثورات، كما فعلت في 2011.

من الضروري الآن بعد أن تبددت منطقة اليوتوبيا الإقليمية التي تأسس فيها تنظيم داعش، توثيق التأثير الذي أحدثه هذا على شعبي سوريا والعراق، اللذين شملهما هذا المشروع الشمولي. يعرف تنظيم داعش هذا. وهذا هو السبب في أن مقاطع الفيديو الحديثة قد دعت الناس إلى مواصلة القتال سراً. يحتاج داعش إلى الحفاظ على الحنين إلى خلافته، حتى بعدما سقطت. من الواجب علينا مواجهة هذا بكل ما نستطيع. لا يمكن أن يتأثر الجيل القادم، من سيناء إلى الصومال، ومن مالي إلى الفلبين، برحلة الحنين المتعصبة هذه، وينتهي به المطاف إلى السقوط في فخ داعش.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

«عقد ملتقى وطني».. رئيس وزراء الحكومة الليبية يعلن عن مبادرة للخروج من الأزمة
الأناقة لا علاقة لها بالعمر.. جدٌّ ياباني عمره 84 عاماً يصبح من مشاهير إنستغرام بعد أن غيَّر حفيده مظهره بالكامل
خلافاتهم أضعفتهم.. اليمين الأوروبي المتطرف حقق بعض الانتصارات بالانتخابات، لكن ليس كما تتصورون
الإيرانيون لا يستطيعون شراء الحلوى في العراق بسبب ترامب
هدموا مساجدهم وحرقوا مصاحفهم ومنعوهم من الحج.. هكذا تم اضطهاد المسلمين منذ وجودهم في الصين قبل قرون طويلة
المجتمع الدولي في كفة ومكالمة ترامب في كفة أخرى.. لماذا تخلى العالم عن طرابلس؟
بينما كانت واشنطن مشغولة بحروب صغيرة.. أصبحت موسكو وبكين قوتين تهددان الوجود الأمريكي
الحكاية الكاملة للمعركة الدائرة حالياً بين حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وشركة هواوي الصينية
رسائل ترامب المتضاربة.. الرئيس الأمريكي يضع الشرق الأوسط على «حافة السكين»
لماذا يمكن أن تعتمد مصر والإمارات على الجنرال حميدتي؟ تاريخه الذي بدأ من دارفور سيخبرك الكثير
لماذا يستفيد بعض أعضاء الكونغرس من استمرار حرب اليمن؟
«واشنطن بوست» تشرح الأسباب.. لماذا تبني السعودية ومن قبلها الإمارات أطول مبانٍ في العالم؟
كيف يعيش محمد بن سلمان حياته؟ «بيزنس إنسايدر» يكشف معلومات هامة عن ولي العهد السعودي
حُكم الـ3.5%.. دليل الحركات السلمية لإزاحة الأنظمة السياسية والوصول إلى السلطة
معاناة اقتصادية تنتظر الأمريكيين بعد تصعيد ترامب للحرب التجارية مع الصين.. وهذا حجم الضرر المتبادل
5 أسئلة تشرح أزمة البرنامج النووي الإيراني.. ولهذا أصبحت المواجهة الأمريكية مع طهران وشيكة
مصيرها المحتوم.. فورين بوليسي: لا مفرَّ لأمريكا من بقائها في الشرق الأوسط
مدريد أصولها إسلامية.. الشعب الإسباني يعيد اكتشاف تاريخ عاصمته المنسيّ
الآن يمكنك مشاهدة آثار بلادك المسروقة على فيسبوك.. نهبت خلال الربيع العربي، والبيع يتم على الماسنجر
روسيا المستفيد الأكبر من فشل الاتفاق النووي مع إيران.. كيف يصبّ ذلك في مصلحة بوتين؟
00:00