رأي

لماذا استحق الساروت أن يكون أسطورةً للثورة السورية؟

كاتب صحفي سوري
الناشط السوري الراحل عبدالباسط الساروت

كُتب هذا المقال في عام 2015 قبل وفاة الناشط السوري عبدالباسط الساروت متأثراً بإصابته.

عندما، شيئاً فشيئاً، بدأ الساروت يتحوّل إلى أيقونةٍ سوريةٍ عابرةٍ للمشاعر، آثر عديدٌ من السوريين ألا يروه. بل كانت كتلٌ عديدةٌ من المثقفين و(المعارضين) عامدةً تتجاهل وجوده الذي بدأ يحفر في الوجدان الشعبيّ كلّ يومٍ أكثر. لم تره وهو يغني لعشرات الآلاف عن الحرية وعن سوريا الواحدة والشعب الواحد. بل ولم يروه وهو يقف كتفاً لكتفٍ مع الفنانة السورية «فدوى سليمان» في البياضة والخالدية ليمثلا بهذا الظهور الثنائيّ أبهى صور الثورة. لكن، عندما بثت القناة الفرنسية عام 2012 شريطاً يظهر فيه الساروت وهو يردّد مع شخصٍ آخر هتافاً طائفياً؛ بدأت جوقة هؤلاء، وعلى نحوٍ مفاجئٍ، تشير إليه باعتباره يمثل الثورة المنحرفة عن أهدافها. وكأنهم كانوا يتابعون نقاشاً، هم لم ينخرطوا فيه أساساً إلا بصورةٍ سلبيةٍ تكاد تشكّل في بعض أوجهها حالةً بالغة الانسجام مع طروحات إعلام النظام.

لم يكن تحوّل الساروت إلى بطلٍ شعبيٍّ أو أسطورةٍ من نتاجات المخيلة الشعبية التي تضفي على أبطالها صفاتٍ خارقةً فوق بشريةٍ غير موجودةٍ فيهم أصلاً. لم يقسر اسم الساروت المخيلةَ الشعبية السورية على ابتكار الحكايا المتخيلة عنه. لكنه، وببساطةٍ غير متوقعةٍ من شابٍّ في عمره، قدَّم من صفاته وسلوكه للأسطورة كلّ عناصرها لتتكامل بصفتها أسطورة. ظهر الساروت بوجهه المكشوف حين كانت الأكثرية تخفي هوياتها. تواجد في كلّ الأماكن الخطرة التي لم يتخيل أحدٌ يومها ظهوره فيها. غنّى في بابا عمرو حين كان الحيّ محاصراً. دخل إلى حمص المحاصرة حين كان الآخرون يفكرون ويبحثون عن طريقةٍ لمغادرتها. وفي حصار المدينة أكل كغيره أوراق الشجر والزيتون المرّ. وعندما غادرها راح يعمل وأصدقاءه بقطاف الزيتون كي يؤمّنوا كفاف يومهم. وكان، في كلّ لحظةٍ في الثورة وحتى اليوم، يجاور الموت ولا يهابه. بل، وفي الكثير من المواقف، كان يتجرّأ عليه ويتحارَشُه بشجاعةٍ غير مألوفة.

لم يُستجلَب الساروت من خارج المكان والزمان، فقد نبت من بين الناس، وحمَته عيون الناس، وغالباً هو تخلَّق بشكلٍ لا يتلاءم مع صرامة نظريات الكتب. لم يكن قائداً سياسياً، ولا بطلاً حزبياً، سوّقه حزبٌ ما، أو جبهة أحزابٍ بقرارٍ مركزيّ، طَوَّبته بموجبه كبطل. ولذا، ولذات المقدّمات، لن يستطيع أحدٌ اليوم أن يسحب منه ألقابه. فهو ببساطةٍ بطل الناس، والناس لا تكترث كثيراً أو قليلاً بما يردّده المتعالون عليهم. من قلب الناس جاء، وخلال شهورٍ قليلةٍ حقق من الجماهيرية ما عجزت عن تحقيق عُشره كلّ الأحزاب السورية بما فيها «الحزب القائد».. من أحياء الفقراء والمقهورين اندلع عبدالباسط الساروت ليصبح نموذجاً نضالياً لشباب سوريا.. من طُهر الناس جاء، وبين البيوت المهدّمة على رؤوس أصحابها حمل سلاحه.. وعلى بعد أمتارٍ من أسنان جنازير الدبابات تابع غناءه، واحتضنته واحتضنت أغانيه كلّ أحياء البلاد. وعلى طول طريقهِ مشى محفوفاً براحات المظلومين، وبعشرات جنـازات الإخوة والأهـل والأصـدقاء.

المتعالون على الناس (والذين، في أفضل حالات افتراض النوايا الطيبة) أرادوه أن يبقى بلبلاً للثورة، حين كانت كلّ الظروف من حوله تدفعه دفعاً ليصبح النسر الذي هو عليه الآن. وليس بعيداً عن الخطأ القول إن الساروت بتحوّلاته كان ممثلاً أميناً لما دُفعت إليه ثورة السوريين من تحوّلاتٍ لم يكونوا يتخيلونها.

عبدالباسط، ومعه عشرات آلاف الشباب الذين هتفوا للحرية والكرامة، ينسحبون اليوم إلى المواقع التي لم يتمنوها، ولم يتمنّها أيٌّ من الأحرار لهم. وعلى الأرصفة، وخارج دائرة أيّ فعل، هناك من يتبارون لكيل الاتهامات لهم. نعم، التطرف الدينيّ شرٌّ يكاد يكون مطلقاً. ولكن هؤلاء الشباب أبطالٌ. وقد دفعهم العالم دفعاً إلى حيث هم الآن.

في يومٍ ما، في حي الخالدية، كان «باسط» يقف كالرمح ويحرّك ذراعيه كالنسر، ينشد للثورة والحرية والشهداء.. وكلما توقف للحظةٍ، كنت أسمعُ النساء والرجال والشباب والأطفال يهتفون «عبد الباسط.. الله يحميك». لم أشاركهم الهتاف يومها، فقد كنت مشغولاً بمراقبة الضراعة التي تشعّ من العيون حين يذكرون كلمة «الله يحميك».. هل شاهدتُ فعلاً سرب ملائكةٍ ترفرف فوقه لتحميه؟ لستُ متأكداً.. لكن ما هو أكيدٌ أنه لا يمكن لعدالة السماء أن تخذل الضراعة التي كانت تتدفــــق من تلك العـــيون…

«عبد الباسط.. الله يحميك».

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اقرأ لي..

«عقد ملتقى وطني».. رئيس وزراء الحكومة الليبية يعلن عن مبادرة للخروج من الأزمة
الأناقة لا علاقة لها بالعمر.. جدٌّ ياباني عمره 84 عاماً يصبح من مشاهير إنستغرام بعد أن غيَّر حفيده مظهره بالكامل
خلافاتهم أضعفتهم.. اليمين الأوروبي المتطرف حقق بعض الانتصارات بالانتخابات، لكن ليس كما تتصورون
الإيرانيون لا يستطيعون شراء الحلوى في العراق بسبب ترامب
هدموا مساجدهم وحرقوا مصاحفهم ومنعوهم من الحج.. هكذا تم اضطهاد المسلمين منذ وجودهم في الصين قبل قرون طويلة
المجتمع الدولي في كفة ومكالمة ترامب في كفة أخرى.. لماذا تخلى العالم عن طرابلس؟
بينما كانت واشنطن مشغولة بحروب صغيرة.. أصبحت موسكو وبكين قوتين تهددان الوجود الأمريكي
الحكاية الكاملة للمعركة الدائرة حالياً بين حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وشركة هواوي الصينية
رسائل ترامب المتضاربة.. الرئيس الأمريكي يضع الشرق الأوسط على «حافة السكين»
لماذا يمكن أن تعتمد مصر والإمارات على الجنرال حميدتي؟ تاريخه الذي بدأ من دارفور سيخبرك الكثير
لماذا يستفيد بعض أعضاء الكونغرس من استمرار حرب اليمن؟
«واشنطن بوست» تشرح الأسباب.. لماذا تبني السعودية ومن قبلها الإمارات أطول مبانٍ في العالم؟
كيف يعيش محمد بن سلمان حياته؟ «بيزنس إنسايدر» يكشف معلومات هامة عن ولي العهد السعودي
حُكم الـ3.5%.. دليل الحركات السلمية لإزاحة الأنظمة السياسية والوصول إلى السلطة
معاناة اقتصادية تنتظر الأمريكيين بعد تصعيد ترامب للحرب التجارية مع الصين.. وهذا حجم الضرر المتبادل
5 أسئلة تشرح أزمة البرنامج النووي الإيراني.. ولهذا أصبحت المواجهة الأمريكية مع طهران وشيكة
مصيرها المحتوم.. فورين بوليسي: لا مفرَّ لأمريكا من بقائها في الشرق الأوسط
مدريد أصولها إسلامية.. الشعب الإسباني يعيد اكتشاف تاريخ عاصمته المنسيّ
الآن يمكنك مشاهدة آثار بلادك المسروقة على فيسبوك.. نهبت خلال الربيع العربي، والبيع يتم على الماسنجر
روسيا المستفيد الأكبر من فشل الاتفاق النووي مع إيران.. كيف يصبّ ذلك في مصلحة بوتين؟
00:00